توفيق عابد-عمّان

حققت الرواية بالأردن إنجازات كبيرة وربما غير مسبوقة بين الأجناس الأدبية الأخرى، واحتلت موقعا متقدما على الخريطة الروائية العربية كحالة إبداعية وبذلك تجاوزت الحدود الوطنية لتنافس على المراكز الأولى لجوائز أدبية وخاصة البوكر وجائزة الشيخ زايد وغيرهما.

وتحوز الرواية على 60% من مبيعات الكتاب بالأردن، وشريحتها الشباب وخاصة طلبة الجامعات لأنها تشتبك أكثر بقلق الناس سياسيا واجتماعيا وتفضح القمع والفساد، كما تقتحم قضايا المرأة والوطن، وكانت أكثر موضوعية من المؤرخين وأصدق من السياسيين، وفق ما يراه بعض النقاد.

الرواية الأردنية  رافقت الرواية العربية في نشأتها في بداية العقد الثاني من القرن الماضي وتابعت تطورها عبر تطور الجزء ضمن الكل حتى مرحلة النضوج والاكتمال

الجزء ضمن الكل
والملاحظ أن الرواية الأردنية انحازت لوجدان الناس وعبرت عن أحلامهم وطموحاتهم، وعرّت المسكوت عنه، وبهذا استحقت وصف البطل في مضمار الأدب بفضل روائيين تمردوا على النماذج المسيطرة وابتعدوا عن أساليب السرد التقليدية والأيديولوجيا.

ويرى الناقد الأكاديمي الدكتور محمد القواسمة أن الرواية الأردنية لم تخضع للتقسيمات السياسية والإقليمية الضيقة ورافقت الرواية العربية في نشأتها في بداية العقد الثاني من القرن الماضي وتابعت تطورها عبر تطور الجزء ضمن الكل حتى وصل حد النضوج والاكتمال مع نشر رواية "الضحك" لغالب هلسا قبل هزيمة 1967.
 
كما تناولت الأحداث السياسية وبخاصة تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية وأحداث سبتمبر/أيلول 2001، وعالجت أزمة المثقف الأردني وهو يعاني انهيار الآمال القومية واشتداد القمع ومصادرة الحريات والحقوق الإنسانية وضعف الأحزاب السياسية، كما تعرضت لمشاكل المجتمع ولجوانب من التراث.

وقال القواسمة إن روايات كثيرة أظهرت دور المرأة وصراعها مع المجتمع وبخاصة الرواية النسائية التي تناولت المسكوت عنه في العلاقات الجنسية وخاصة قضايا الشذوذ الجنسي، وتعدت ذلك مسايرة رياح العولمة إلى تناول زنى المحارم.

رزان إبراهيم: قضية المرأة تحضر في الرواية الأردنية ضمن سياق تحرر المجتمع (الجزيرة)

الرواية المرأة
وفي هذا الشأن ترى أستاذة النقد الأدبي المعاصر في جامعة البترا رزان إبراهيم أن صورة المرأة في الرواية تحضر ضمن سياق التحرر في مجتمع يعاني مخاضا عسيرا، فهناك محنة داخلية خاصة بالمرأة لذلك دفعت الرواية الأردنية باتجاه ثورة اجتماعية بقواعد أخلاقية جديدة في إطار منطق المساواة بين الرجل والمرأة ويدعو للعدالة الاجتماعية.

وقالت للجزيرة نت إن "الحديث عن صورة المرأة بالأدب الأردني يتطلب الإشارة لقلم يتحرك متجاوبا مع نساء كن ضحية لعلاقات اجتماعية مسببة للقهر، لذا برز نمط روائي حريص على تمثيل عالم المرأة بدلا من النظر للمجتمع من منظور الرجل وحسب، وهنا تحضرني الكاتبة عفاف بطاينة بمنطق خاص يبرز عنفا يمارسه المجتمع ضد المرأة لتكون جريمة الشرف واحدة من مظاهر العنف المستشري ضمن نسق يعمل بجد على التفرقة على أساس النوع".

وتضيف رزان إبراهيم أنه في الرواية الأردنية يحضر أيضا جسد المرأة سلعة تصطادها نفوس مريضة تحاول استثماره لأطماع متغايرة عبر منطق شهواني مريض يغيّب ما عداه من أشكال التعامل الإنساني.

ولفتت إلى أن صورة المرأة عموما لم تطرح بعيدا عن كتابة تتعلق بالتاريخ والإنسان عموما، بل إن بعضا منها يقترب من فصول سيرة ذاتية لأنها استطاعت أن تتخطى هذه الذاتية وتمس الحياة على نحو شمولي واسع.

وفي الوقت ذاته –والحديث لرزان- يصر البعض على تقديمها في إطار حرب الثنائيات (رجل وامرأة) وآخرون طرحوها شريكا فاعلا دون انحياز بالمطلق في إطار مطالبة مشروعة بوعي مجتمعي شمولي يجابه مجتمعا يرفض تميز المرأة أو حتى حضورها في موقع قوي.

 قاسم توفيق: فتح المجال لخلق تابوهات إعلان استبدادي لغلق باب التفكير (الجزيرة)

"التابوهات" والقمع
وعن اقتحام الرواية الأردنية لتابوهات "السياسة والدين والجنس"، يرى الروائي قاسم توفيق أن فتح المجال لخلق تابوهات إعلان استبدادي وقمعي لإغلاق باب التفكير وحكم لا يصدر عن المجتمعات أو الثقافات، بل يصدر عن القوى الحاكمة والمتحكمة، وهذا بطبيعة الحال نفي لأبسط قواعد الديمقراطية.

وتابع في حديث للجزيرة نت قوله إن التابوهات وسيلة إضافية لاستعباد الناس وأشد قسوة من الحروب ذاتها لأن في تكريسها غسلا أو إلغاءً للعقل البشري وقدرته على التفكير.

وتساءل قاسم "لماذا هناك تابوهات في حياتنا؟" وأجاب بأن المجتمعات العربية تحرم مناقشة موضوع الجنس إلا عبر الأبواب المغلقة، وهذا تناقض عجيب وتكريس -من وجهة نظره- لفصام العقل العربي.

وعن موقع الرواية بين الأجناس الأدبية قراءة وتسويقا، يرى المسؤول في أزبكية عمّان حسين ياسين -والتي أقامت خمسين معرضا للكتاب- أن الرواية هي الأكثر مبيعا بنسبة 60% من الكتب المباعة، ووصل الاهتمام بهذا الجنس الأدبي إلى 30 ناديا للقراءة لتتصدر قراءات جيل الشباب.

وحسب ياسين فالملاحظ أن الروايات الحديثة لكتاب عالميين وبخاصة الحاصلين على جائزة نوبل للآداب تشهد إقبالا أعلى نسبيا من الروايات العربية التي تأتي في المرتبة الثانية بنسبة 20% وخاصة الرومانسية منها كروايات أحلام مستغانمي وغادة السمان وغسان كنفاني.

أما الروائيون المحليون فيتنافسون على 20% من مبيعات الكتاب وفي مقدمتهم إبراهيم نصر الله وأيمن العتوم الذي يعتبر حالة خاصة، إذ تجاوزت مبيعات رواياته عشرة آلاف نسخة خلال عام واحد، واعتبر ياسين أن الشباب وبالذات طلبة الجامعات الشريحة الأكبر قراءة.

المصدر : الجزيرة