نزار الفراوي-الرباط

صدر حديثا للباحث المغربي فريد الزاهي كتاب جديد بعنوان "الصورة والآخر.. رهانات الجسد واللغة والاختلاف"، وهو يكرس انشغالا بحثيا تقليديا للمؤلف بالحفر في قضايا تقع على تخوم فروع معرفية عديدة.

يتعلق الأمر بمجموعة دراسات وأوراق متنوعة المواضيع لكنها لا تخرج عن مجالات بحث راكم فيها المؤلف خبرة طويلة، تتمحور حول تمثلات المجتمع المغربي والعربي للجسد، والصورة التي يحملها عن ذاته وعن الآخر، وجدلية الذكورة والأنوثة، تراثا وممارسة راهنة، فضلا عن مقاربات لرحلة النص من لغة إلى أخرى.

وبالرغم من التباعد النسبي لمواقيت نزول نصوص الكتاب -التي خطها الباحث على مدى أزيد من عقد من الزمن- فهي تكتسي طابع الانسجام والراهنية، ولعله يتأتى من القيمة الاستشرافية لأبحاث فريد الزاهي المعروف بمواكبته المناهج الحديثة في تناول مواضيع بالغة الأهمية تتصل بجذور التمثلات والأفكار الجمعية لقضايا الجسد والمرأة والذات والآخر في مجتمعات يتجاذبها الانشداد إلى الماضي من جهة والإغراء الذي تمارسه الحداثة من جهة ثانية.

كما تستقي نصوص الكتاب انسجامها وراهنيتها من طبيعة القضايا التي يتناولها، وهي قضايا تشكل ساحة أسئلة واستقطاب فكري ممتد على تاريخ التدافع بين التقليد والحداثة، بين ديناميات العودة إلى "ماض ما" والسعي إلى تجاوز القراءات الجامدة للتراث.

الذكورة والأنوثة
قسم فريد الزاهي كتابه الصادر ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط (سلسلة بحوث ودراسات)، إلى ثلاثة أبواب، تشمل "من الجسد إلى الصورة"، و"الصورة والآخر" و"اللغة والذات والآخر".

يضم الباب الأول من الكتاب ثلاثة نصوص هي "الذكورة والأنوثة في الثقافة العربية الإسلامية: الأصول والحداثة" و"الجنية والمجنون والجنة: الحكاية والألم"، و"ابن عربي: الصورة والآخر".

يكشف تنوعُ آفاق نصوص الكتاب شغفَ فريد الزاهي بالتحليق الحر على تخوم العلوم الاجتماعية والإنسانية، خصوصا في حفرياته الرامية إلى قراءة سفر تكوين بنيات ثقافية وذهنية مترددة بين التراث والحداثة

أما في الباب الثاني فيكتب الزاهي عن "الممانعة والفتنة: الجسد والذات والصورة في متخيل الرحلة السفارية إلى أوروبا" و"من الجسد إلى العلامة: الصورة ورهانات الآخر" و"أركيولوجيا التملك" و"الجسد المُرَوْحن والروح المُجَسْدَنة: مقاربات الصورة ومفارقاتها" و"حفريات الإشهار بالمغرب: مقاربة أولية" و"مرايا الذات والآخر: الجسد المأساوي في كتابات ألين دو لينس".

ويضم الباب الثالث مقالات حول "الذات والأنوثة في الرواية العربية" و"لأكثر من لغة: جاك ديريدا من ترجمة لأخرى" و"الترجمة بين هجرة الذات وتأصيل الآخر" و"الترجمة المضاعفة: التجربة والسياق".

يكشف تنوع آفاق نصوص الكتاب شغف فريد الزاهي بالتحليق الحر على تخوم العلوم الاجتماعية والإنسانية، خصوصا في حفرياته الرامية إلى قراءة سفر تكوين بنيات ثقافية وذهنية مترددة بين التراث والحداثة، بل ومشدودة أحيانا إلى الصفحات الأكثر محافظة في تراث لا يتردد الزاهي -وهو المعروف بخياراته الحداثية القاطعة- في كشف جوانب تقدميته وجرأته، سواء في النصوص المرجعية أو في الممارسة التاريخية، لا سيما فيما يتصل بالمرأة ووضع الجسد وثنائية الذكورة والأنوثة.

هوس أدبي
الطابع المركب لقضايا من هذا النوع تحضر فيها الزمنية المفتوحة بين الماضي والحاضر، الذاكرة والآن، وتتشعب فروعها بين أركيولوجيا تشكل التصورات الجماعية وحركة المجتمع ودلالات العلامات وخصوصيات المجال وثقل التراث.. وغير ذلك، وكل ذلك يستنفر جهد باحث يمتلك امتياز المعرفة العابرة للتخصصات والعُدة المنهجية التي تفتح آفاق الفهم والمقارنة، متحررة من توجيه الأيديولوجيا والشعاراتية الفجة.

بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والجماليات والتاريخ والنقد الأدبي، يبحث فريد الزاهي عن بناء الصورة الأكثر اكتمالا لواقع ذهني وتراث نصي وبنية اجتماعية نفسية متورطة في الثنائيات المغلقة.

التطرق لموضوعات من قبيل الجسد والصورة والمتخيل تتطلب في حدود دنيا تقاطعا معرفيا بين مجموعة من العلوم والمعارف لعل أقلها الفلسفة والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا

ويلاحظ الزاهي في تقديم كتابه أن موضوعة الجسد صارت هوسا أدبيا يتردد هنا وهناك ويتحول في غالب الأحيان إلى موضوعة أدبية محضة، والحال أن التطرق لموضوعات من قبيل الجسد والصورة والمتخيل تتطلب في حدود دنيا تقاطعا معرفيا بين مجموعة من العلوم والمعارف لعل أقلها الفلسفة والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا الثقافية منها بالأخص.

ويرى الزاهي أن "البحث في الجسد صار طليعة للبحث في الجماليات الفنية والاجتماعية وفي التحولات القِيَمية التي تعرفها مجتمعاتنا المعاصرة"، مؤكدا أن "قضية الجسد الأنثوي منه والذكوري بكل متعلقاته الأنثروبولوجية والثقافية -الواقعية منها والمتخيلة- هي أولا وقبل كل شيء قضية الذات بكل حمولاتها النفسانية والفلسفية والاجتماعية".

"من الجسد إلى الصورة" ينضاف إلى سلسلة مؤلفات عديدة للكاتب تناولت الجسد والمقدس في الثقافة العربية والفنون التشكيلية. كما ترجم لمفكرين فرنسيين ومغاربة من أمثال جاك ديريدا وريجيس دوبري وعبد الكبير الخطيبي. وقد حاز على جائزة المغرب للترجمة عام 2008 وجائزة البحث التشكيلي بالشارقة عام 2009.

المصدر : الجزيرة