محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

شكل الرحيل المبكر للشاعر والناقد وأستاذ الأدب بجامعة الخرطوم محمد عبد الحي في أغسطس/آب 1989 في الخامسة والأريعين من عمره صدمة للرأي العام الثقافي، إذ عرف الراحل بحضوره المميز في المشهد الإبداعي شاعرا وناقدا ومؤرخا وأستاذا.

ارتكز مشروع عبد الحي الثقافي على الهوية السودانية، وتبنت رابطة الكتاب السودانيين ورابطة الجزيرة للآداب والفنون في ودمدني -حيث نشأ الشاعر- مجموعة من الأنشطة للاحتفال بذكرى رحيله كما تشارك ندوة العلامة عبد الله الطيب بجامعة الخرطوم في إحياء ذكرى الشاعر.

وتبدأ أولى الفعاليات في29 أبريل/نيسان الحالي بقاعة الشارقة وتتواصل حتى أكتوبر/تشرين الأول القادم، إلى جانب احتفالية خارج السودان بمدينة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية تقيمها جمعية الدراسات السودانية في مايو/أيار القادم.

الترجمة العربية لكتاب التجليات الذي صدر بالإنجليزية لمحمد عبد الحي (الجزيرة)

بعد صوفي
وللدكتور محمد عبد الحي منشورات في الأدب والشعر والترجمة تضمنت بعدا صوفيا ميز الطابع الحداثوي للراحل. وتعتبر قصيدته "العودة إلى سنار" مرجعية في الهوية السودانية العربية.

وهي قصيدة تتكون من خمسة أناشيد بزّ بها كثيرا من منظري الهامش والمركز إذ استخدم (الهجنة الثقافية) كمرتكز لقراءة الواقع الثقافي والديني والجغرافي للسودان.

وأصدر مركز عبد الكريم ميرغني قبل أيام أطروحة الراحل عبد الحي للدكتوراه بعنوان "تجليات الشعر الإنجليزي والأميركي في الشعر العربي الرومانسي" في ترجمة عربية لأول مرة منذ صدور الكتاب بالإنجليزية عام 1982 وقامت بترجمته أرملته الدكتوره عائشة موسى السعيد حسب وصيته.

تقول عائشة موسى للجزيرة نت إن وصية الراحل لها بترجمة أطروحته للدكتوراه ظلت أمام عينيها منذ اليوم الأول لرحيله، وعكفت عليها مدة طويلة حتى رأت النور مع حلول الذكرى 25 لوفاته.

وأشارت عائشة إلى أن الراحل ترك ظرفا مختوما بالشمع الأحمر وضعه في دار الوثائق على أن يفتح بعد عشرة أعوام على غيابه. وقد قام بتسليمه للأسرة مدير دار الوثائق السابق علي صالح كرار، والمفاجأة تمثلت في أن الظرف تضمن كل المسودات التي تحكي عن مراحل كتابة أيقونته "العودة إلى سنار" بخط يده.

عيدروس: عبد الحي من رواد التيار الذي عرف في السودان بتيار "الغابة والصحراء"، وهو تيار حاول أن يخلق تزاوجا على صعيد الهوية بين العروبة والأفريقية

مرجع أدبي
يقول الناقد مجذوب عيدروس إن كتاب "تجليات الشعر الإنجليزي والأميركي في الشعر العربي الرومانسي" للدكتور عبد الحي قد أصبح منذ صدوره مرجعا لا غنى عنه لدارسي الأدب المقارن وللمهتمين بالشعر العربي الحديث.

ويضيف عيدروس أن عبد الحي من رواد التيار الذي عرف في السودان بتيار "الغابة والصحراء"، وهو تيار حاول أن يخلق تزاوجا على صعيد الهوية بين العروبة والأفريقية، وكانت لهذا التيار إنجازاته وتأثيراته على صعيد تحديث القصيدة العربية.

ويقول عبد الحي في قصيدة "العودة إلى سنار":

افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
افتحوا أبواب المدينة
بدوي أنتَ؟.. "لا"
من بلاد الزَنج؟ ..."لا"
أنا منكم. تائه’ عاد يغنِي بلسان
ويصلَي بلسان
من بحار نائيات
لم تنر في صمتها الأخضر أحلام المواني

ويرى الناقد عامر محمد أحمد أن عبقرية عبد الحي تتجلي في وعيه المبكر بالحداثة وتأثير الشعر الإنجليزي والأميركي على الشعر العربي، مشيرا إلى أن الخطاب الشعري العربي انقسم إلى خطابين، أولهما رسمي مأزوم، وثانيهما إبداعي متأزم جراء التلقي الخطأ.

وأضاف أن ظهور هذا الكتاب لعبد الحي معربا سيسهم في تنوير شعري يخرج القصيدة من عتمتها الحالية ليضعها في سكة التفكير والنقد المؤسس على العقل لا التهويمات ورص الحروف.

وكان الراحل قد أصدر العديد من الكتب باللغة الإنجليزية والعربية، كما ترجم قصائد لإليوت من الإنجليزية وكذلك كتاب "أقنعة القبيلة دراسة ومختارات من الشعر الأفريقي". وله أيضا كتاب "الرؤيا والكلمات" الذي تضمن قراءة في شعر التجاني يوسف بشير, وأيضا دراسة تناولت السياسات الثقافية في السودان نشرتها منظمة يونسكو.

المصدر : الجزيرة