كمال الرياحي-تونس

يواصل الناقد التونسي محمود طرشونة مشروعه النقدي في تقصي أخبار وأشكال السرد العربي قديمه وحديثه، وتمثل مدونة الكاتب التونسي محمود المسعدي (1911- 2004) العمود الفقري لهذا المشروع النقدي.

ويعود الناقد بين فترة وأخرى لمدونة صاحب مسرحية "السد" ليسلط الضوء على أشكال جديدة أغفلها الباحثون، وضمن هذا المشروع صدر لطرشونة كتاب جديد بعنوان" دراسات في أدب المسعدي" عن دار رؤى للنشر والتوزيع تضمن 14 دراسة جديدة بدا بعضها طريفا ولافتا وجديرا بالتأمل.

غلاف كتاب "دراسات في أدب المسعدي" للناقد التونسي محمود طرشونة (الجزيرة)

نساء المسعدي
أهدى طرشونة فصلا بعنوان "نساء أبي هريرة" لزوجة محمود المسعدي، ويقول الناقد "لما توفيت بكاها زوجها، المسعدي، بحرقة بالغة، ثم مات بعدها بربع قرن فدفن في قبرها تنفيذا لوصيته، فأنت ترى اليوم في مقبرة الزلاج شاهدين على ضريح واحد".

وخلافا لمعاناة تولستوي الذي أوصى بألا تدخل عليه زوجته يوم يموت -كما يقول طرشونة- يدين المسعدي برقي تجربته الأدبية ونجاحه المهني -كما الروائي الجزائري الطاهر وطار- إلى زوجته التي كرست حياتها من أجل أن يكون ما عرف عنه أنه كاتب حياته منظمة تنظيما.

ويكشف طرشونة المختص في أدب المسعدي أن المرأة كانت حاضرة في كل مؤلفات المسعدي باستثناء وحيد في قصة "المسافر" حيث يقول إن المرأة في مؤلفات المسعدي "شخصية في مستوى البطل، تؤازره حينا، وتجادله أحيانا، ولا ندري هل يمكن اعتبارها أداة طيعة في متناول يده، أم خصما يواجهه، أم شريكا يقاسمه معاناته ونجاحاته".

وقد مسح الناقد أخبار "ميمونة" و"ميارى" في "السد" وأخبار دانية في "من أيام عمران" وأخبار ليلى في "مولد النسيان" قبل أن يعمق البحث في "حدّث أبو هريرة قال" إن ذلك النص السردي المؤسس في الرواية العربية، فيظهر فيه البطل الوجودي في علاقاته الإشكالية مع النساء وأشباه النساء أو ما سماهم الناقد بأنصاف النساء، لكن تبقى علاقة الشخصية الروائية "أبو هريرة" بريحانة هي العلاقة الأكثر تشعبا والتي يرتكز عليه النص السردي.

يختم طرشونة دراسته بالتساؤل عن موقف المسعدي الفعلي من المرأة، مشيرا إلى تناقض واضح في تصريحاته وحواراته، فهي من ناحية يقول إنها "تحمل في عنقها سر الحياة، وهي التي حملها الله رسالة الحفاظ على الحياة" ومن ناحية ثانية يقف الأديب موقفا بدا للناقد غريبا من حرية المرأة حيث نادى المسعدي بمراجعة مجلة الأحوال الشخصية.

وقال صاحب "مولد النسيان" بضرورة إدخال بعض التنقيحات عليها وذلك "في كنف الوفاء للقيم الأخلاقية والدينية وللخصوصية الذاتية القائمة عليها شخصيتنا الحضارية حتى لا يصاب التطور والرقي بعلة مسخ وتنكر للذاتية، أو ضلال في مسيرة تجديدها وتحديثها".

وقد استغرب الناقد هذا الكلام من أحد رواد التنوير والحداثة في تونس قبل أن يجد له مبررا في "سوء فهم أقلية من النساء لمعنى التحرر".

يأخذنا الكتاب إلى تأملات أخرى في العجيب والغريب في أدب الرجل وتحولات الأسطورة وفك شيفرات البدايات والنهايات وتقصي أسرار نص المسعدي

المسعدي والثورة
يواصل الناقد في دراسة بعنوان "موقف المسعدي من قضايا الراهن" البحث في أرشيف صاحب "تأصيلا لكان" مدونة وعتبات، فيخرج لنا مواقفه من الديمقراطية، فبدا للناقد أن الرجل يبدو متحفظا دائما كلما تكلم كسياسي ومنشقا لاذعا كلما تكلم بلسان الأديب. وقد اعتبر المسعدي المبدع العربي أيضا يعاني من رقابة ذاتية وهي "أخطر أنواع الرقابة على الخلق والإبداع".

أما في ما يخص الثورة، فيصرح المسعدي في مجلة الأصالة الجزائرية سنة 1975 قائلا "إن الثورة مهما كانت وسائلها وغاياتها لا بد لها من قاعدة ثقافية تكون منطلقا لبث الوعي وتعبئة الطاقات الخلاقة وتغيير العقليات، وتهيئة الفرد للمشاركة في تحمل المسؤولية. وعلى هذا الأساس ينبغي لنا أن نتصور الحركة الثقافية ثورة مستمرة. فهي مبتدأ الفعل الإنساني وتتويجه الحتمي".

يقدم كتاب طرشونة أفكارا مهمة وجديدة تضيء وجوها معتمة من وجوه محمود المسعدي الأديب والمفكر والسياسي والنقابي وعلاقاته بالشابي ومحمد البشروش، كما يأخذنا الكتاب إلى تأملات أخرى في العجيب والغريب في أدب الرجل وتحولات الأسطورة وفك شيفرات البدايات والنهايات وتقصي أسرار نص المسعدي، لينهي الكتاب بسؤال وجودي بالنسبة لناقد مختص: ماذا يبقى من المسعدي؟

المصدر : الجزيرة