هيثم حسين

يروم السوري عدنان فرزات في روايته "لقلبك تاج من فضة" التقاط إرهاصات الثورة في أكثر من مدينة سورية، من خلال تصوير حال الشخصيات ومدى استجابتها وتفاعلها مع الأحداث، ورصد مختلف التوجهات والرؤى.

فيحاول فرزات توصيف الانقسام الذي تخلل الشارع السوري بداية، وكيف أن هناك من آثر مبدأ السلامة الشخصية، وغض النظر عما يجري في البلاد، في ظن مخادع أنه سيكون بمنجى عن التداعيات والتأثيرات المتوقعة، وحالة الصمت والغموض التي لجأ إليها بعضهم بحيث يفسح المجال لنفسه للاصطفاف إلى جانب المنتصر لاحقا.

يعود فرزات في روايته -الصادرة مؤخرا عن دار المبدأ بالكويت- إلى واقع مدينة دير الزور التي توصَف بأنها عروس الفرات، يستعيد التسامح الذي كان سائدا بين أهلها، وما يشتهرون به من روح طيبة، وكيف تحول ذلك بفعل العنف المفرط من قبل النظام إلى شراسة في الدفاع عن المدينة وأهلها.

يصف الروائي كيف تهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وكيف يتهاوى الجسر المعلق الذي كان معلما تاريخيا من معالم المدينة وينهار إثر قصفه، وكيف يملأ القناصون الأرجاء ويعطلون سير الحياة

تجاور الأضداد
يجري فرزات نوعا من تجاور الأضداد، فالسارد "رواد" شاب جامعي من مدينة دير الزور يطمح للوصول إلى منصب في السلطة من خلال انتسابه إلى الحزب الحاكم، تربطه علاقة حب بالفتاة "جولين" وهي فتاة من مدينته، ويكونان في سنة التخرج عند بدء الاحتجاجات في دمشق.

تشكل تلك الانطلاقة فرصة ليتعرف كل منهما إلى الآخر من جديد، ويعيد ترتيب أولوياته بحسب تقاطع المواقف مما يجري، في دلالة إلى تغيير الأحداث للمشاعر ورسمها خريطة اجتماعية جديدة بناء على المعارضة والموالاة.

مع وصف دواخل الشخصيات، يحضر عند صاحب "جمر النكايات" توصيف لواقع شرائح أخرى لجأت إلى الفعل الثوري والمبادرة الفعالة. تكون "جولين" في طليعة الشباب الثوري، بينما يختار "رواد" طرف السلطة، ويواظب على حضور الاجتماعات الحزبية، ويتسلم مسدسا بحجة الدفاع عن نفسه، في حين أنه بصدد أن يصنف في خانة "الشبيحة".

ينتقل فرزات بأبطاله بين الأقاصي، فرواد الذي ينتقل من بيئته البسيطة إلى جو دمشق المختلف، يتفاجأ بانقلاب الأحوال، وتغير الحبيبة، فيسلك مسلكا انتهازيا بالتقرب من صديقتها، ثم يبيت التقرب عبرها من جولين والإطاحة بزميلها الآخر الذي يرى فيه الند والخطر على علاقته وحبه.

دير الزور، المدينة السمحة الهادئة تتحول إلى ساحة حرب مفتوحة، وتنشطر إلى شطرين، شرقية وغربية، شطر يسيطر عليه النظام وآخر تحت سيطرة الثوار. نهر الفرات يختلط بدماء أبنائه، المتحف يغدو تحت مرمى النيران.

يصف الروائي كيف تهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وكيف يتهاوى الجسر المعلق الذي كان معلما تاريخيا من معالم المدينة وينهار إثر قصفه، وكيف يملأ القناصون الأرجاء ويعطلون سير الحياة، رائحة البارود في كل مكان، الضحايا تحت الأنقاض، وطائرات النظام تواصل إلقاء البراميل المتفجرة.

المشهد العام يتجلى في أن الأهالي ينزحون من بيوتهم، المدينة تدمر، المشافي الميدانية ممتلئة، ومع عودة الابن الضال إلى كنف الأسرة، يتفاجأ بمقتل أمه حين قصفت الطائرة المنطقة، ونجاة أبيه وإخوته بأعجوبة، واختيارهم البقاء والصمود.

تكون العودة إلى مدينته مقرونة بتغير الموقف، إذ ينقلب على قناعته السابقة في تأييد النظام، وكأنه يجسد رحلة المؤيد الانتهازي من الغفلة إلى اليقظة، وحقيقة أن الحزب واجهة لتمرير ممارسات شائنة بحق الناس، ولا يعدو كونه أداة أمنية بامتياز، ناهيك عن ترقيعه لقباحات الحلول العنفية ومحاولة تبريرها.

يشير فرزات إلى أن الثمن الذي يتوجب على المرء دفعه للاقتناع بما يؤمن به في مرحلة ما، يكون غاليا، ويكون أكثر إيذاء في حال كان ذلك بدافع من رغبة انتهازية

تدجين وتمويه
علاقات حب افتراضية، متخيلة، انتهازية، ترد لدى فرزات في سياق الحديث عن توظيف العواطف والمشاعر للوصول إلى الغايات، وتقلب الناس بين عشق وآخر ببساطة، بحيث يفقد الأمر جوهره الإنساني السامي ويتحول إلى سلعة مجيرة لغايات آنية.

وإن كان في الختام يعيد الاعتبار إلى الحب ويختار إنهاء الأحداث ببسمة الفرح وسط الدمار، وإقدام رواد على خطبة جولين وتلبيس الخواتم والإشارة إلى الأمل الذي يلوح في عتمة المدينة.

يلقي فرزات بعض الإضاءة على عملية التدجين التي سعى النظام إلى تطبيقها في البلاد منذ استلامه إثر الانقلاب، وبعد ذلك ما سمي بـ"الحركة التصحيحية" وإجبار أحزاب سورية على الانضواء تحت جناحه في لعبة مخادعة أطلق عليها اسم "الجبهة الوطنية التقدمية" التي قيدت تلك الأحزاب، وأبقتها رهينة الترغيب والترهيب.

ويشير إلى أن الثمن الذي يتوجب على المرء دفعه للاقتناع بما يؤمن به في مرحلة ما، يكون غاليا، ويكون أكثر إيذاء في حال كان ذلك بدافع من رغبة انتهازية، وبالتالي تتبدد تلك الرغبة عند الاصطدام بالحقائق، وانكشاف المخبوء.

ويكتب فرزات عن أناس جمعهم الحب وفرقتهم السياسة، وأعاد القصف جمعهم بعد فراق دام، ويستعيد تغير بعض العادات الاجتماعية وطقوس الزيارة بين الناس في الحرب، إذ يضطر الناس إلى المداورة والالتفاف في الطرقات الفرعية درءا لمخاطر القنص والتصفية.

وفي حالة السفر من مدينة لأخرى، يكون الأمر مختلفا، حيث يمرّ المسافر بحواجز كثيرة لأكثر من طرف، ويجبر على تمويه نفسه عند كل حاجز بما يبديه بهيئة المحايد، أو الموالي لمن يتحكم بالحاجز.
_______________
روائي وناقد سوري

المصدر : الجزيرة