عبد الرزاق بوكبة

راكمت المدونة الزجلية المغربية خطواتها نحو الحداثة والانفتاح على المفهوم الكوني للشعر في غفلة من النقد والانتباه العربيين، وباتت تحتوي تجارب عميقة من أجيال مختلفة روّضت النص الزجلي على حيرة الأسئلة والخروج على القوالب.

ويأتي ديوان "شوفات الخاطر" لعادل لطفي -الفائز بجائزة جرسيف للزجل عام 2013- ضمن موجة شبابية مغربية استفادت من هذا التراكم في التجربة الزجلية، وأباحت لنفسها مساحات جديدة يتفوق فيها الذاتي على الجماعي، والجمالي على المباشر، واللحظة على الذاكرة.

لا يخلو الديوان من مفاصل تقدم رؤية صاحبه لفعل الكتابة الذي لا يختلف -بحسبه- عن فعل الحياة

حياة الكتابة
إن الكتابة عند ابن مدينة فاس ليست فيم تكتب، بل "ما لا تقدر على كتابته"، وهي بهذا ما يسقط من المتن، ويهرب نحو البياض ليؤسس وجوده على الشك والنبش في الذات والوجود.

فالكتابة تنطلق من لحظة عري تام، بكل ما تمليه هذه اللحظة الوجودية العميقة من رغبات ملحة في الفهم، ولا تكتسب "ريشها" إلا بطرح مزيد من الأسئلة.

وهي -كما ورد في نصه "الكتبة حياة"- دم وَشَمَ جراح الخاطر على الورقة، وعتبة لا بد أن تضع جبينك عليها، إذا أردت أن يُفتح لك باب الفهم، ويتنفس فيك النور.

ولا يخلو الديوان من مفاصل تقدم رؤية صاحبه لفعل الكتابة الذي لا يختلف -بحسبه- عن فعل الحياة، فأن يكتب معناه أن يحيا، وأن يحيا معناه أن يتموقع في شغب الأسئلة، ولا يكفّ عن مناجزة الباطل/الجاهز والمترهل.

" كلمه.. كلمة ونص
تغزَّلْ بيها الباطل
وما سمعتش كلامو".

وتشبه هذه الكلمة المتمردة على القالب بحرا لا يرتوي حوته إلا من ماء المعنى، أو عينا صافية الماء تنير كل قطرة منها طريقا، ويوصل كل طريق إلى باب يوجد مفتاحه تحت عتبة الأسئلة.

"الشوفات" هي جمع "شوفة" أي رؤية، ويأخذ الخاطر أكثر من معنى في الديوان، فهو تارة المزاج وتارة العقل وتارة أخرى الروح، وهو في الحالات كلها "يشوف" أي يبصر أقصى ما يمكن أن يحقق الإبصار، لكن ليس خارج الذات، وهي تسكن أسئلتها الحارقة، وإن حدث أن امتدّ خارجها، فإلى ما يشبهها أو هو مؤهل لأن يشبهها، أو إلى ما يشكّل "آخَرَها" باعتباره مرآة لها.

نجح ديوان "شوفات الخاطر" لعادل لطفي -إلى جانب دواوين أخرى أصدرتها أسماء مغربية سبقته إلى خيار التجريب، مثل إدريس المسناوي وأحمد لمسيّح ومراد القادري ونهاد بن عقيدة- في نقل القصيدة المكتوبة باللغة المحكية في المغرب من مقام الشفوي إلى مقام المكتوب

مرايا الذات
ولا يدري القارئ -وهو يتنقل بين النصوص الثمانية عشر التي تشكّل الديوان- متى يصادف اعتزاز الشاعر بذاته، إلى درجة أنه يضعها في كفه ليتغزل بها، ومتى يعلن تبرمه منها، فيطوّح بها بعيدا في الآفاق، بل إنه أحيانا يعيش الإحساسين معا في الوقت نفسه.

"طلاسم أيامك
مرشوشة بالحيرة
وما نساك منجل السؤال".

كما يضم الديوان مفاصل يمارس فيها الشاعر شهوة تخريب الذات بالإضافة إليها أو الحذف منها، تماما كما يفعل حاقد على صورة ما عن طريق تقنية الفوتوشوب". إنه تعبير عن حالة قلق عميقة تنتابه وتنتاب جيله في محيطه الصغير (المغرب) ومحيطه الكبير (العالم) وهو يتجه نحو مستقبل يشبه "ثريا عمياء".

ولا يتجلى هذا القلق على مستوى الإحساس والصورة فقط، بل في الشكل أيضا، فهو تارة يقول الحالة في ومضة تشبه "منقار الحمامة"، كما وصف "غوغول" قصصه القصيرة، وتارة يكلف مساحة شاسعة من الكلمات بأن تقولها.

ويلتزم مرات بالقافية كما في نصه "بلاد" مما يفرض حالة من الموسيقى التي تسمح لوجع الروح والجسد بالرقص، ويطرحها -مرات- كما في نصه "العنقا"، ويلجأ إلى موسيقى داخلية تتضمنها الجملة الشعرية.

إن نصوص "شوفات الخاطر" تشبه مرايا كثيرة مزروعة في جدار واحد، يكتشف الناظر إليها أنها لا تقدم وجها واحدا له، بل وجوها كثيرة ومختلفة، تغريه مرة بالمشاهدة والاكتشاف، ومرة ترعبه فيهرب منها.

إن النضج الشعري الذي يحتويه ديوان "شوفات الخاطر" لعادل لطفي -رغم أنه إصداره الأول- يجعل القارئ لا يجد مبررا للاستسهال الذي تعامل به مع عناوين نصوصه، فهو يعنون -أحيانا- قصيدته بأول كلمة أو جملة منها، قافزا بذلك على ما للعنوان من دور في قراءة النص باعتباره عتبتها الأولى.

لقد كان إعفاء النصوص من العنونة قادرا على أن يصبح أبلغ من العنونة المرتجلة، فهي نصوص تقدم نفسها بنفسها باعتبارها حالات إنسانية ووجودية تروم قول ما يحسه كل واحد منا، ولا يستطيع -بالضرورة- أن يعبّر عنه.

نجح ديوان "شوفات الخاطر" لعادل لطفي -إلى جانب دواوين أخرى أصدرتها أسماء مغربية سبقته إلى خيار التجريب، مثل إدريس المسناوي وأحمد لمسيّح ومراد القادري ونهاد بن عقيدة- في نقل القصيدة المكتوبة باللغة المحكية في المغرب من مقام الشفوي إلى مقام المكتوب، وتخليصها من الغرق في القضايا الجماعية التي تنفي عنها شعريتها في أحايين كثيرة.

المصدر : الجزيرة