محمد طارق-سراييفو

البوسنة هي الحرب والمجازر والتطهير العرقي، هذا ما يتبادر إلى الأذهان عندما تذكر، لكن الناس يغفلون حقيقة أن هذه البلاد تزخر بالفن والثقافة، وقد كانت مركزا لهما في عهد الاتحاد اليوغسلافي السابق.

"لدينا دار أوبرا كان فيها أفضل مغني الأوبرا في العالم رغم صغر حجمها"، هكذا تقول أديما بلييفلياك كرهيتش مغنية الأوبرا البوسنية العالمية ومدرسة الغناء والتقنيات الصوتية في أكاديمية الموسيقى بالعاصمة سراييفو التي هرب إليها من زغرب وبلغراد عدد كبير من فناني الصف الأول في يوغسلافيا السابقة بسبب اتجاهاتهم السياسية في الحقبة الشيوعية، فاكتسبت من المميزات ما لم يمنح لغيرها.

وتلفت كرهيتش إلى إرث غني بالفنون الأخرى, وتقول إن البوسنة حاضرة في عالم السينما منذ زمن طويل، فقد حصل المخرج والكاتب البوسني دانيتش تانوفيتش على جائزة الأوسكار عام 2001 عن الفيلم "نو مانز لاند", ويعتبر حاليا من أفضل المخرجين المعاصرين في عالم السينما.

أديما كرهيتش أثناء أدائها دورا استعراضيا
في دار الأوبرا بسراييفو (الجزيرة نت)

فخر
كما تفخر كرهيتش بأن لدى البوسنة مغنين أوبراليين يصنفون من بين الأوائل في العالم، مثل لوليليانا مولنار تالاديتش، وبحريا نوري هاديتش.

وأكدت أن نشاط الأوبرا لم يتوقف حتى في أحلك ظروف الحرب رغم انخفاض عدد أفراد أوركسترا الأوبرا من ثمانين إلى عشرين ومقتل بعضهم في الحرب، ولم يبق إلا مغن واحد أوبرالي آنذاك.

وقد توقف إخراج الأوبرا لنحو ثلاث سنوات، لكن العروض استمرت، فقد كان هناك حضور حتى في ديسمبر/كانون الأول 1992 أثناء الحرب مع عدم توفر الكهرباء ولجوء الحضور والفنانين في المسرح إلى ارتداء المعاطف الثقيلة من شدة البرد، حيث كان هناك إصرار على ضرورة استمرار الحياة رغم الحرب.

ومن أجل المحافظة على هذا التراث تقول كرهيتش إنه تم إعداد عدد من مغني الأوبرا بعد فترة الحرب، إذ إن الإعداد يحتاج إلى وقت طويل بسبب شروط معينة يجب توافرها.

صعوبات
وتوضح كرهيتش أن أكبر الصعوبات التي تواجه هذا الفن والفنون الأخرى في البوسنة تتمثل في نقص التمويل الذي أدى أيضا إلى إغلاق المتحف القومي للبوسنة منذ نحو ثمانية أشهر حتى اليوم، وهو أحد المعالم الرئيسية في العاصمة.

في الوقت ذاته يتعرض المسرح القومي الذي يضم الأوبرا والباليه -وهو الوحيد من نوعه في البلاد- لخفض في التمويل الحكومي الاتحادي يصل إلى ما بين 20 و25% سنويا.

وتؤكد أستاذة الفنون المعاصرة في أكاديمية الفنون بسراييفو آمرا ذو الفقار باشيتش الصعوبات ذاتها، وتشير إلى الضائقة المالية التي تواجهها الحركة الفنية والثقافية في البوسنة، وتنحى باللائمة على السياسيين الذين تقول إنهم لا يهتمون إلا بمصالحهم. وتضيف أن "السياسيين هنا هم أعداء للفن والثقافة".

آمرا باشيتش تأسف لكون الفن والثقافة
هدفا لخفض الإنفاق الحكومي (الجزيرة نت)

أسف
وتشعر باشيتش بالأسف لكون الفن والثقافة الهدف الأول لقرارات خفض الإنفاق على المستوى الاتحادي.

وتقول إن الفنانين الذين لا يجدون وظائف دائمة يعانون حاليا من أوضاع مالية سيئة, أما هي فأوفر حظا من غيرها بسبب وجودها في وظيفة دائمة، مشيرة إلى أن الفنانين الذين يتعاطون السياسة هم فقط الذين يستطيعون الحصول على مناصب حكومية جيدة ويتمتعون بوضع أفضل.

وتضيف أنها لم تتوقف عن العمل أثناء حرب البلقان، وأنها أقامت خمسة معارض لرسومها خلال تلك الفترة، كان أحدها في مبنى البريد العام المدمر في سراييفو كشاهد على إصرارها للدفاع عن رسالتها.

وتتابع باشيتش أن النشاط الفني لم يتوقف خلال تلك الفترة وأن إنتاج الأفلام الوثائقية استمر بغزارة. أما اليوم فإن إجراءات التقشف الحكومية طالت جميع أوجه الفن والثقافة في البلاد، وفي كثير من الأحيان يعاني هذا القطاع ما لم يعانِه حتى في زمن الحرب.

المصدر : الجزيرة