عزت شحرور-بكين

طوت مكتبة سانليان في بكين صفحة قديمة من عمرها وفتحت أخرى جديدة، وأضاءت شمعة لتبدد ظلام المدينة، فقد قررت أن تفتح أبوابها وصفحات كتبها أمام الزبائن على مدار 24 ساعة في اليوم في إطار مبادرة هي الأولى من نوعها تهدف لإحياء عادة القراءة والعودة إلى خير جليس.

ودعمّت المكتبة مبادرتها بتخفيضات سخية لرسومها بعد العاشرة ليلا، وبتوفير بعض المقاعد والطاولات والأجواء والإضاءة المريحة للزبائن الراغبين بمطالعة الكتب قبل شرائها، وتخصيص وردية ليلية للاهتمام بالضيوف.

وجازفت المكتبة باستثمار نحو نصف مليون دولار لإنجاح تجربتها، بالإضافة إلى دعم حكومي يساوي مائة وخمسين ألف دولار تشجيعاً لمبادرتها.

خطوة جريئة
خطوة وصفت بالجريئة، تحدّت فيها إدارة المكتبة هيمنة العصر الرقمي، ولم تخش المنافسة الحادة وغير المتكافئة الناجمة عن الانتشار السريع والمجاني للكتب الإلكترونية، ولم تلتفت كذلك إلى السهولة التي وفرتها المتاجر الإلكترونية للقراء في إيصال الكتب المفضلة إلى منازلهم وبأسعار منافسة.

أعداد الزوار لم تكن متوقعة بالأيام الأولى للمبادرة (الجزيرة)

تقع المكتبة بالقرب من متحف الفنون في قلب العاصمة الصينية وتتألف من طابقين وقبو. ولم تكن إدارة المكتبة تتوقع سرعة التجاوب مع هذه المبادرة.

ولم نكن من جانبنا أيضا نتوقع سرعة التجاوب هذه عندما زرناها في وقت متأخر، ولم يمض على افتتاحها سوى بضع ليال. فقد وجدنا أن صالة المكتبة قد غُصت بعشرات الزبائن وهم يتصفحون الكتب، وهناك آخرون يفترشون الأرض وبعضهم لم يجد سوى درج المدخل المؤدي إلى المكتبة ينهلون بنهم ما وقع تحت أيديهم من كتب.

ولم يخل المشهد من أطفال يتصفحون قصصاً مصورة يبدو أن آباءهم قد اصطحبوهم معهم ربما لإنقاذهم من هوس الألعاب الإلكترونية.

ويقول مدير المكتبة للجزيرة نت إنهم لاحظوا أن أوقات الدوام النهارية لا تسمح للكثير من الزبائن بالتردد على المكتبة نظراً لانشغالهم بأعمالهم أو شؤون حياتهم اليومية.

المطاعم والملاهي
ومضى وانغ يو موضحا أن بعض الزبائن كان قد طلب منهم زيادة ساعات العمل، وتساءل "ما هي الخيارات المتاحة أمام المواطن في ساعات الليل سوى المطاعم والملاهي؟".

وأضاف "نحن نريد أن نذكّر البعض بضرورة وأهمية القراءة كحاجة إنسانية شأنها شأن الغذاء. ومع الضغوط اليومية أقلع كثيرون عن عادة القراءة. وإذا استمر الحال على ما هو عليه فستكون له تداعيات على البلاد بأسرها. وإننا من خلال هذه المبادرة نحاول إعادة علاقة الصداقة المفقودة بين المواطن والكتاب إلى سابق عهدها".

وانغ: مبادرتنا محاولة لإعادة علاقة الصداقة المفقودة بين المواطن والكتاب (الجزيرة)

ويقول أحد الرواد إن إدارة المكتبة بهذه الخطوة تعبر عن التزامها بمسؤوليتها المهنية والأخلاقية، وتمارس دورها التنويري الاجتماعي على أكمل وجه وبما يستحق الاحترام والتقدير. وأضاف "إنني شخصياً سأواصل التردد على المكتبة وأحث أصدقائي على ذلك ليس بهدف القراءة أو شراء الكتب فقط ولكن من أجل إنجاح هذه التجربة الرائدة".

يأتي ذلك في ظل تراجع نسبة القراءة لدى الصينيين إلى مستويات غير مسبوقة، وأظهرت إحصاءات رسمية أن مجمل ما تقرأه الفئة العمرية بين 18 وسبعين عاماً لا يتجاوز أربعة كتب في العام، بينما يصل في دول مجاورة مثل كوريا الجنوبية إلى 11 كتابا واليابان تسعة كتب.

واضطرت نحو عشرين ألف مكتبة خاصة إلى إغلاق أبوابها في مختلف أرجاء الصين. كما سجلت مبيعات الكتاب تراجعا بنحو خمسة مليارات دولار أي ما نسبته 2% خلال عام واحد فقط.

هيمنة الشركات
وتعاني دور النشر في الصين أيضاً قلقاً وهواجس تهدد مستقبلها بالإفلاس، وباتت تعترف بتراجع دورها في اختيار نوعية ومحتوى الكتب المنشورة بما يتفق مع أهدافها المهنية والتنويرية، واضطرارها إلى الخضوع لهيمنة الشركات الممولة والتي باتت هي الجهة التي تحدد محتوى الكتاب.   

وتقول مديرة التسويق في "دار نشر العصر" ومقرها شنغهاي إنهم كانوا سابقا يطبعون الكتب ويوزعونها على المكتبات، أما الآن فلم يعودوا قادرين على المجازفة بذلك في ظل عزوف كثيرين عن القراءة لضيق الوقت أو بسبب التغيرات السريعة لمزاج القراء والمحتوى الذين يرغبون في قراءته، وأصبحوا مضطرين لتنويع خدماتهم لطباعة كتب الهدايا أو الكتب التي تحددها لهم الشركات.        

وبعد أن كان الصينيون يفتخرون بأنهم أول من اخترع الورق والحبر ويفاخرون باقتناء الكتب وولعهم بالقراءة، باتوا الآن يبحثون عن أصدقاء جدد غير الكتب.

المصدر : الجزيرة