"فراشات لابتسامة بوذا".. سؤال الكينونة
آخر تحديث: 2014/4/13 الساعة 15:16 (مكة المكرمة) الموافق 1435/6/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/4/13 الساعة 15:16 (مكة المكرمة) الموافق 1435/6/14 هـ

"فراشات لابتسامة بوذا".. سؤال الكينونة

غلاف ديوان "فراشات لابتسامة بوذا" للشاعر اللبناني شوقي بزيع (الجزيرة)
غلاف ديوان "فراشات لابتسامة بوذا" للشاعر اللبناني شوقي بزيع (الجزيرة)

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يواصل الشاعر شوقي بزيع مسيرته الكتابية الحافلة بالتجديد والمفاجآت الفنية، حيث يجرب في كل مرة، وعقب كل تجربة يقدم صوغا جديدا يلبسه قصيدته المتحولة التي لا تستقيم على شكل واحد، وهذا ينسجم مع فلسفته الفنية التي ترى في القصيدة كيانا يظل يتشكل وينمو ويتراجع ويتطور، تماما مثل حياة الإنسان.

وتمثل مجموعته الشعرية الجديدة "فراشات لابتسامة بوذا" المنجز الـ22 في ذخيرة منشورات بزيع الشعرية، وهي تتضمن 15 قصيدة مترعة بحساسية مرهفة تجاه العالم والذات.

وهي وإن بدت قصائد مستقلة، فإنها ترتبط ببعضها البعض في وشائج والتفاف حول الموضوع وصيغة السرد الشعري، مثلما ترتبط بالتجربة ككل ما دامت تصدر عن ذات واحدة، وإن تبدلت الأحوال والأمكنة والأزمنة.

تأتي فلسفة الكتابة الشعرية لدى بزيع في محاولة لرد الاعتبار للذات الواعية بتقاطع المصائر، وتبدل القيم، وهاوية الاندحار التي تصير إليها إنسانية الفرد

الذات والوجود
يبدو بزيع مهووسا في هذا المجموعة الشعرية بقضية النشوء والارتقاء الثقافيين، وسؤال التشكل الحضاري للإنسان، فهو من جهة يحاور الأشياء والعالم والذات، انطلاقا من زمن طفولي، عبر استعارة معجم الطفولة والإنسان العاري من الثقافة، والمكان المطلق الفسيح، وفلسفة الأنبياء، وعقيدة الأولين.

وكأنه يهرب من عالم قاس، مليء بالوحل والنكسات، لأجل الاحتماء بحلم بدايات العالم، في جنوح إلى فلسفة الطهر البدائية التي اغتالتها الثقافة، لتصل بالإنسان إلى الإفلاس القيمي الذي صار عليه في عصر مشتعل لا يهدأ أُواره.

ويتعمق الشاعر بتأمل فلسفي في ربط الكينونة بالانتماء لهذا العالم الذي يدير ظهره رويدا رويدا لمنظومة القيم التي جبل عليها في طفولة الحضارة البشرية، وكيف أضحى الفرد ممزقا بين تصاريف دهر لا يجيء إلا على أنقاض البشر، تائها في لعبة دائرية ترتد به إلى النكوص والخواء.

وتأتي فلسفة الكتابة الشعرية لدى بزيع في محاولة لرد الاعتبار للذات الواعية بتقاطع المصائر، وتبدل القيم، وهاوية الاندحار التي تصير إليها إنسانية الفرد. ويعبر عن ذلك بقوله "أصغيت حتى سمعت ألوف الولادات/ تهدر في داخلي/ وتماهيت مع كل ضد/ إلى أن غدوت نباتا ومرعى وقطا/ وفأرا وثورا وفيلا وطفلا وكهلا/ ومهدا وقبرا وشاهدة فوق قبر وحصالة للدموع. وهكذا يصبح الشاعر مركزا لامتصاص التوتر في كل العالم، يتحول -بفعل إحساسه المفرط- إلى نقطة جذب، ومركز للكون.

يقول بزيع أيضا "وصرت ربيب المرايا/ التي تتخاطف وجهي/ صورة بوذا نبيا/ وصورة سدهارتا عاشقا وأميرا/ وألفيتني مثل آدم/ يقعي وحيدا قبالة جنته الغابرة".

تنهض شعرية "فراشات لابتسامة بوذا"على دعائم التجريب اللغوي والاستعاري والدلالي، وكلّ هذه المكوّنات تشتغل في انسجام خطابي، تكون الأولوية فيه لخطاب الذات المنشغلة بماضيها

سيرة شاعر
جرّب الشاعر في هذه المجموعة تقنية الكتابة السيرية، حيث إن المنجز يستعرض بوعي فني مفارق الزمن الطفولي في واحدة من حفرياته العميقة التي تسائل الإنسان فيه، وتحاور الطفل الذي كان عليه.

وتعتبر هذه التقنية الشعرية من أصعب أساليب الصوغ، لأنها تتطلب حلولا مكانيا، وسفرا في الزمن المستعاد واللحظة المستحيلة، حيث يعود الفرد إلى طفولته ليستحضر الأحلام والنزعات والأفكار الآنية، وكيف تبدلت مقارنة مع ما يحدث هنا والآن.

ويسعى صاحب "عناوين سريعة لوطن مقتول" إلى تبليغ رسالة فنية تتصل بصيغة العمل (السيرة الذاتية) الذي اعتادت الأدبيات على كتابته سردا، وهو يرى أن بإمكان الشاعر -على غرار السّارد- أن "يشعرن" سيرته في لغة راقية، تنزاح بها عن التقريرية والتوصيف العادي، وأن يكشف الماضي في شكل الحاضر، بما يملكه الشعر من قدرة على تلخيص التاريخ، وكسر المسافات بين الأزمنة.

يصبح الشاعر طفلا يرى العالم بمنظار طفولته، ويعود في لمح البرق إلى تفاصيل ذاكرته، يقتنص منها ما يراه مناسبا للحظته الشعورية، يخاطب والده الراحل، وهو الطفل اليتيم: "أنا ذلك الطفل الذي خلفته/ في عهدة الهذيان/ أمشي خلف نعشك مستظلا بالسماوات/ التي صدئت أرائكها الوثيرة/ واستغاث بعجزها/ ألق ابتسامتك الرضي/ ولكم أود الآن أن أستمهل الخطوات/ نحو القبر/ أن تصحو ولو لدقيقة/ لتشدّ أزر تلفّتي الخاوي".

إن تأملا بسيطا لعناوين القصائد يكشف نبرة حزن دفينة لهيمنة الفقدان على الذات (الموتى، قبر، الموت، بموتك، مات)، خاصة عندما يتعلق الأمر بفقدان الأب الذي ترك فراغا قاتلا في روح الطفل اليتيم، التائه الذي كانه الشاعر، فتلك لحظة مفصلية في حياته، لأنها رمت به في أحضان عاصفة غير مسنودة إلا بالسماوات العالية.

آنذاك، هيأ نفسه لرجولة مبكرة، وصراع مرير مع الحياة، يقول مستذكرا هذه اللحظة، بما تحمله من مواجع وضنك وأسى: "بأي لغات الأرض أرثيك/ يا أبي؟/ وما لغة إلا ينوء بها الحبر/ بأي حروف أستعين على غد مهيض/ ترائيني كوابيسه الكثر"؟

تنهض شعرية "فراشات لابتسامة بوذا"على دعائم التجريب اللغوي والاستعاري والدلالي، وكلّ هذه المكوّنات تشتغل في انسجام خطابي، تكون الأولوية فيه لخطاب الذات المنشغلة بماضيها، وبتداخله مع حاضرها ومستقبلها.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات