هيثم حسين

يحاول "غائب" في رواية "صائد الجثث" للعراقي زهير الجبوري اجتياز أوحال الغربة للوصول إلى دفء الوطن، لكن الصدمة الكبرى تتمثل في أن الدفء المنشود يغدو نارا تحرق الوطن وأبناءه معا في أتون حرب لا تني تخلق مبرّرات اشتعالها واستمرارها.

يستهل الجبوري روايته -الصادرة عن دار أثر بالرياض مؤخرا- بمشهد عودة بطله "غائب" إلى العراق بعد عقد ونصف العقد على غيابه عنه، وتشرده بين المنافي، هربا من البطش والحروب المتعاقبة. "غائب" الذي اختار طريق الهجرة والمنفى يعود بعد افتراض أن بلده تخلص من حكم ديكتاتوريّ، وأن بمقدوره التنعم بقسط من الحرية فيه بعد التحول الكبير.

ينقل صاحب "قلب اللقلق" والمقيم ببروكسل، حكايات كثير من العراقيين الذين أصبحوا طعما لمياه المنافي بالموازاة مع قصص بعض من أصبحوا طعما لأسماك أنهار الوطن وضاعوا في بقاعه، وقضوا بالمصادفة في أحد التفجيرات أو كانوا ضحايا لعنة الإرهاب والقتل المجاني، وحالة التماهي بين المنفي المغترب في الداخل والخارج والمتمثلة باستلاب الإنسانية وانتزاع الراحة والسكينة.

يوقن الروائي أن الابن الغائب لم يضل طريق العودة إلى الوطن، لكنه أضل طريق الوصول إلى أحلامه وأهله وأصدقائه وبلده المنشود، قضى في رحلته وتاه في بحيرات الدم ومستنقعات الاقتتال والتعادي

فخاخ الوطن
عند وصول "غائب" إلى المطار في وقت متأخر، ومن خلال الأحاديث التي تدور، يستشفّ أن هناك أمورا غير مريحة، وأن من الأنسب الحذر، وهناك من يشير عليه ومن معه أن كل شيء بخير، وأنه لا داعي للتوجّس والتعامل كأنهم أغراب في بلدهم، ويدفعهم إلى شراك المجازفة والخروج في ذلك الوقت، ويكون الليل كشافا للخلل الأمني الذي يجتاح مفاصل المدينة، ويشير إلى تورط أجزاء من السلطة في ذلك أيضا خدمة لمآربها.

يكتشف الغائب العائد إلى وطنه أن هناك الكثير من الأمور التي تغيرت بشكل رهيب، يستمع إلى قصص غريبة عن القتل والتصفية والاغتيال، يتعرف إلى طرق التعامل على الحواجز الكثيرة، والتي يرتدي بعض عناصرها ثياب الجيش والقوى الأمنية، في الوقت الذي تكون فيه عبارة عن عصابات منظمة تحترف الجريمة والقتل.

لا ينتمي أفراد تلك العصابات إلى مذهب أو دين، ويرومون إلى ضرب الناس بعضهم البعض، فتراهم يأمرون الركاب بالوقوف في صفّين بحسب المذهب، ثم يقتلون الصفين معا.

في تصوير مشاهد الاغتيال والتفجير يحاول الجبوري تعميم مقولة إن الإرهاب لا دين أو مذهب له، وإنه مذهب شر مستطير يشوه البشر والمدن والأديان. كما يسعى إلى تجريم من يتواطأ مع أولئك المجرمين ولو بالصمت عليهم أو مسايرتهم.

ذلك قد يعني نوعا من تشريع الإرهاب تحت مسميات المحافظة على الأمن أو ما شابه من مزاعم، بحيث يغدو لكل حارة أو دائرة عصابة تزعم أنّها تحمي أمن منطقتها، في حين أنها سبب بارز في خلخلة الأمن وبث الفوضى والذعر.

يطوف العراقي المهاجر عن بلده بكل الأمكنة التي تكون مقدسة له، لأنها تمثل فكرته السامية عن وطنه، بعيدا عن الانتماءات الضيقة والمذاهب المتناحرة والتفرق المتفاقم، يبحث عما يجمع العراقيين لا ما يفرّقهم، ويلغم واقعهم، ويفخخ مدنهم ونفسياتهم وحتى دواخلهم ضد بعضهم البعض.

يطوف العراقي المهاجر عن بلده بكل الأمكنة التي تكون مقدسة له، لأنها تمثل فكرته السامية عن وطنه، بعيدا عن الانتماءات الضيقة والمذاهب المتناحرة والتفرق المتفاقم

اقتتال قيد التأجيج
يصف الجبوري اصطدام بطله برؤية مشاهد مرعبة في بغداد وغيرها من المدن، وأحد أكثر المشاهد إيلاما، وهو الذي يستقي منه عنوان روايته، أن يتحول صائد أسماك في نهر دجلة والفرات إلى "صائد جثث" البشر المتعفنة والنافقة المرمية في النهر، بحيث تراه يلقي شباكه باحثا عن بشر ألقت بهم يد الإجرام في عرض النهر، يخلص الجثث عسى أن يطيّب خواطر ذويها.

يظل "صائد الجثث" يبحث عن صيده الأليم في النهر الذي يقلّ منسوب مياهه، في إشارة إلى الجدب القادم والجفاف الذي يهدّد المدينة، ويكون استمراره في البحث عن الجثث رسالة إلى الجميع أن القتل بين المتحاربين والمتحازبين يظل مستمرا وقيد التأجيج.

الجميع مرشح لأن يكون ذات يوم صيدا في شباك "صائد الجثث"، ما دام الاقتتال لا يستدل إلى طريق للتهدئة والتوقّف، بحيث يكون الناس وقود جحيم العصر الحديث، وطعاماً لحيوانات النهر، وصيدا بائساً لإنسان مقهور بدوره منحوس بعمله.

يحاول الجبوري التنقل في أكثر من جغرافية، يصور مدنا في المغرب، يرتحل إلى نواكشوط، ثم يعود بالذاكرة إلى الضياع في مدن الشرق والعالم العربي على هامش حرب الخليج الأولى ومن ثم الثانية، وقسوة الصحراء على أولئك الذين رفضوا الانخراط في حروب عبثية مجنونة، واختيارهم الهرب إلى المنافي التي لم تكن ميسرة أبدا، بل كانت شديدة القسوة بدورها.

كما يصوّر رحلة التشرد والمنفى انطلاقا من البصرة وبغداد وغيرها من المدن العراقيّة، عبر طرق صحراوية إلى الأردن، أو دمشق، وبعد ذلك نحو أوروبا أو مناطق أخرى، وكيف أن البعد لم يخفف من وطأة الأشواق للوطن برغم كل ما حصل ويحصل.

يوقن الروائي أن الابن الغائب لم يضل طريق العودة إلى الوطن، لكنه أضل طريق الوصول إلى أحلامه وأهله وأصدقائه وبلده المنشود، قضى في رحلته وتاه في بحيرات الدم ومستنقعات الاقتتال والتعادي، لا يدري هل يغدو جثّة بانتظار أن ينتشلها "صائد الجثث" أم يعود هيكلا مفرغا إلى منفاه، وفي الحالين يكون قتيلاً بعودته وحضوره وغيابه.

ما يبعث على الحيرة، ويخلق نوعا من القلق، التغاضي عن طرق التعاطي مع مدن تفرخ عصابات قتلها ودمارها، في الوقت الذي تزعم فيه حمايتها من أي خطر أو شر، وهي أكبر خطر وأعظم شر يتهدّدها.

المصدر : الجزيرة