ميرفت صادق-رام الله
 
على خلفية الانتقادات الواسعة التي لقيها فيلم "يرموك" للمخرج الفلسطيني محمد بكري بعد أن سرب دون علمه -كما يقول- عرض بكري مؤخرا على مسرح القصبة بمدينة رام الله الفيلم الروائي القصير "سواد" باعتباره النسخة الصحيحة من الفيلم كما وصفها.
 
وانتشر فيلم "يرموك" على يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي في مارس/آذار الماضي، وتناول قصة عائلة عربية تعيش أجواء الحرب، ويجلس الأبناء مع والديهم وسط ظلمة الليل بلا كهرباء وبحالة جوع وصمت.
 
وفي الفيلم يظهر الأب مع ابنته الصغرى في سيارته القديمة بجانب جدار مرتفع، وتقترب منهم سيارة فارهة بداخلها رجل يرتدي الزي العربي التقليدي، ثم يخرج مساعده لينظر في وجه الفتاة الجالسة قرب والدها ويعود بمبلغ من المال، ثم يقول للأب إن الاتفاق لم يتضمن "أسنان خربانين".
 
محمد بكري:  فيلم "سواد" ليس اعتذارا عن "يرموك" (الجزيرة)
موجة رفض
وأثار الفيلم -الذي لم يتجاوز ثماني دقائق- موجة سخط عارمة طالت مخرجه محمد بكري، ووصلت حد تخوينه من فلسطينيين غالبيتهم من مخيمات في سوريا والشتات، وكذلك بعض الكتاب والمثقفين.
 
ونشر بيان باسم أهالي مخيم اليرموك والكتاب الفلسطينيين يدين فيلم "يرموك" الذي أخرجه بكري عن قصة لابنه صالح. وقال البيان إن الفيلم شوه حقيقة ما يجري في المخيم واختصر كارثة الحصار والتقتيل والاعتقالات والتجويع بمجرّد حكاية عن أب من المخيّم يبيع إبنته مقابل المال.
 
وطالب موقعو البيان بكري بالاعتذار العلني للشعب الفلسطيني في سوريا والشتات، مهددين برفع دعوى قدح وذم وتشويه ضدّه، لكن بكري قال إن "يرموك" جرى تسريبه بعد أن عرضه بنسخته غير المكتملة على أصدقاء وفنانين، بينما "سواد" هو النسخة الكاملة والنهائية للفيلم.
 
وقال إنه حاول التعبير عن الوجع العربي بطريقة سينمائية بسيطة، لكن "أحد الأشخاص" نقل الفيلم إلى الأهالي في مخيم اليرموك وكان له وقع سيئ واعتبروه إساءة لهم". مضيفا أن "يرموك" لم يتحدث عن مخيم اليرموك أو سوريا تحديدا.
 
واستطاع بكري مؤخرا وقف عرض "يرموك" عبر موقع يوتيوب، وقال إن "سواد" هو الفيلم الكامل الذي رضيت عنه. ونصح المشاهدين بألا ينظروا لسواد باعتباره فيلما واقعيا يحدث مع عائلة محددة في مكان محدد، وقال "هذا لسان حال كل إنسان عربي متوجع".
 
وحمل "سواد" تغييرات جوهرية في فكرته وحذفت بعض مشاهده، كما تحوّلت فكرة بيع البنت من حقيقة قادت الأب لفعلها لإطعام أبنائه في فيلم "يرموك" إلى ما يشبه الكابوس الذي يستيقظ منه الأب مفزوعا ليجد ابنته جالسة بين أشقائها.
 
لقطة من فيلم "يرموك" الذي أثار انتقادات من أهالي المخيمات ومثقفين (الجزيرة)
انتقادات
واعترض الكاتب الفلسطيني حسن البطل على تنقيح الفيلم سواء بتغيير اسمه أو بحذف بعض اللقطات الجوهرية فيه، واعتبرها خطأ وقع فيه بكري.
 
وقال البطل خلال مناقشة النسخة الجديد للفيلم، إن المصير السيئ الذي تلاقيه النساء في الحرب بسوريا، حدث للفلسطينيات بعد خروج منظمة التحرير من لبنان عام 1982 حين كان راتب أسرة الشهيد لا يكفي لشراء "ضمة بقدونس" و"سابت النساء".
 
وحث البطل السينمائيين والكُتاب على مغادرة الخوف من "المقدسات"، وقال "يجب أن نخرج من تابو شعب فلسطين مقدس ونسائه مقدسات".
 
وكان الفيلم بنسخته الأولى "يرموك" قد افتتح بمقدمة نصها: "جراء الأحداث الدامية التي اندلعت في سوريا منذ 2011 تشرد مئات الآلاف وعضهم الفقر والجوع". لكن المقدمة حذفت في نسخة "سواد"، وقال بكري: "وجدت أن حصر الذل والجوع والقهر بسوريا يظلم كل البلاد العربية التي تعاني الظلم".
 
وأوضح أنه حذف المقدمة كي يكون الفيلم عاما وليس خاصا، كما استبدل اسم "سواد" بـ"يرموك" كي لا يشير إلى مخيم اليرموك خاصة. كما حذف في النسخة الجديدة مشهد العربي الذي جاء لشراء الابنة وميزه بارتداء الزي التقليدي، وقال بكري إنه فعل ذلك لأن "في الخليج ناسا أحرارا، والتجارة بالنساء ليست حصرا بهم".
 
ورأى المخرج السينمائي الفلسطيني جورج خليفة أن الفنان السينمائي معرض أكثر من غيره للنقد بسبب قوة الصورة نسبة للكلمة. واعتبر فيلم "سواد" عملا سينمائيا جيدا من ناحية استخدام الإضاءة لغرض تغريب المشهد عن الواقع، والتقطيع الذي يعطي الانطباع بتردد الأب وصولا لفهم أن عملية بيع الابنة لم تحدث"، لكنه وصف السيناريو ككل "بالبسيط والساذج أحيانا".
 
بكري قال إن بيع الابنة في الفيلم كان كابوسا وليس حقيقة (الجزيرة)
ليس اعتذارا
وقال بكري للجزيرة نت إن "سواد" ليس اعتذارا عن "يرموك"، مستعينا بنص الشاعر محمود درويش "لا تعتذر عما فعلت"، لكنه أكد تفهمه لجرح ومعاناة أهالي مخيم اليرموك، وقال "لو أنني مكانهم لجرحت واستنكرت أن يتهمني أحد ببيع ابنتي".
 
وكان بكري قد اتهم -في مقابلة سابقة معه- المخرج الفلسطيني نصري حجاج بتسريب الفيلم وإيصاله إلى مخيم اليرموك بدافع "الغيرة". كما قال: "لن ألاحقه، لأنني لا أستطيع إثبات أنه فعل ذلك".
 
وكتب حجاج عن فيلم "يرموك" إن تصديره بتسمية ما يجري في سوريا بالأحداث الدامية هو وصف للواقع وليس الواقع فعلا".

وأضاف أن "الفيلم حاول بلا وعي إنكار الحرب التي يشنها النظام في سوريا ضد شعبه، وكأن ما يجري في سوريا محض أحداث بالصدفة، وبالصدفة تصير دموية"، مشيرا إلى أن مشكلة الفلسطينيين في اليرموك لم تكن الحصول على المال بل الحصار الذي منعهم من تأمين الطعام.

المصدر : الجزيرة