في روايته "فهرنهايت 451" يرسم الأميركي راي برادبوري (1920 – 2012) صورة مرعبة لمستقبل الإنسان والمعرفة، يتوقع عودة حقبة مؤلمة في أميركا والعالم تشهد إرهابا فكريا وثقافيا ونزعة نحو تسطيح الفكر ومحاربة العقل الجدلي الحر.

غلاف الترجمة العربية لرواية "فهرنهايت 451" للأميركي راي برادبوري (الجزيرة)
هيثم حسين
 
في روايته "451 فهرنهايت" يرسم الأميركي راي برادبوري (1920 – 2012) صورة مرعبة للمستقبل المنظور متوقعا عودة حقبة مؤلمة في أميركا والعالم، وهي المرحلة التي شهدت الإرهاب الفكري والثقافي المنطلق من أحكام سياسية مسبقة ومواقف شمولية.

وتأتي الرواية تحت تأثير ما عرفت بالحقبة المكارثية في أميركا (نسبة إلى السيناتور جوزيف مكارثي 1908 – 1957) في بداية خمسينيات القرن الماضي أثناء الحرب الباردة والاتهامات والمطاردات التي طالت العديد من الأدباء والكتاب والسياسيين في الولايات المتحدة وأقصت كثيرا منهم بتهمة الشيوعية.

تدور أحداث الرواية -التي نشرتها دار الساقي اللبنانية مؤخرا في ترجمة لسعيد العظم- في المستقبل، حيث يتخيل الكاتب نظاما شموليا يغزو العالم ويعمل على حرق الكتب على درجة 451 فهرنهايت، ويجعل التلفزيون أداته الرئيسة في الهيمنة على العقول، يعلن قاعدته النارية التي تقول بوجوب حرق الكتب والبيوت التي تخبئها أيضا.

تكون الفصول الثلاثة في الرواية: "الموقد والسمندل"، "الغربال والرمل"، "الاحتراق بنار متوهّجة" سبلا للإنذار من خطر الانسياق وراء جنون الآلة ومساعي إفراغ البشر من الهموم الإنسانية والوجودية وتسطيح المعرفة ومحاربة الحكمة.

يكون الأمل في إعادة بناء وتأسيس العالم   في ما يختزنه الهاربون من بطش النظام في صدورهم، وعقولهم

رهاب المعرفة
ويعبر برادبوري -الشهير بكتاباته في أدب الخيال العلمي- في روايته عن خوف الطغاة من العلوم والآداب، ويصور بطله رجل الإطفاء "مونتاغ" وهو يتأمل في نفسه وواقعه. ينظر إلى الجدار الذي علقت عليه القوائم المطبوعة لملايين الكتب الممنوعة، كتب اشتعلت في ألسنة النار فاحترق إرث إنساني كبير بفعل خرطومه الذي كان يرش البنزين بدل الماء. يستعيد ما سألته إياه المثقّفة "كلاريس": ألم يكن الإطفائيون يمنعون الحرائق بدلاً من تأجيجها وإشعالها؟

يذكر الكاتب بعض الأحداث المتفرقة التي أعادت بطل الرواية إلى رشده، وأدخلته في عداد الثوّار الباحثين عن حفظ الإرث الإنساني الخالد المحفوظ في الكتب، بعيدا عن بهرجة التلفزيون ووسائل التكنولوجيا المفترضة التي يمكن محو ذواكرها بكبسة زر، والتي تقوم بدور الإلهاء والإشغال لا البناء والتأسيس.

تكمن الحادثة التي تشعل شرارة إحياء العقل والمنطق لدى مونتاغ مصادفته لكلاريس المثقفة التي تستنهض فيه الجانب الإنساني، تحدّثه عن الأدب والشعر والقمر والسماء والطبيعة والبراءة، تدعوه إلى التفكر والتدبر، ويتفاجأ بعد ذلك باختفائها، ثمّ يصادف موقفاً آخر تضحي فيه امرأة عجوز بنفسها وتؤثر الاحتراق مع كتبها، ما يدعوه أكثر إلى التدبر في جوهر ما تشتمل عليه الكتب التي يحرقها.

يقنع مونتاغ نفسه أن الإطفائي لا يؤذي البشر بل يؤذي الأشياء، وبما أن الأشياء لا يمكن أن تتألم في الواقع، أي إنها لا تتمتع بأي إحساس ولا تصرخ ولا تتذمّر، لا يكون هناك ما يؤرق الضمير في ما بعد. يقول لنفسه ذلك في محاولة للتحايل على الذات.

المشهد الذي يرسمه برادبوري والذي يتكرر في كثير من أحياء مدينته المفترضة بطريقة ممسرحة تهدف إلى إرهاب الناس. الكتب مكدسة كأكوام كبيرة من الأسماك المتروكة لتجف، الرجال يرقصون ويتعثرون ويسقطون فوقها. أبخرة الكيروسين تغرق الكتب وتهيئها للمحرقة، يضخّون السائل البارد من الأوعية المربوطة على ظهورهم والمرقّمة 451. حيث يتهم من بحوزته كتاب بالهرطقة ويجرم ويعاقَب.

يتدبر في الأمر، يحدث نفسه أنه لا بد من وجود أشياء في الكتب لا يستطيع تصورها، أشياء تجعل امرأة تبقى في منزل يحترق. يشعر باشتعال الحريق في ذهنه وإبقائه متقدا مستعرا، يحاول إطفاءه في ذهنه. بدأ يفكر في كيفية تأليف الكتب، وأن هناك من يمضي عمره ليدون بعضا من أفكاره ليتأمل في العالم والحياة من حوله، ثم يأتي هو ويدمر كل شيء بسرعة ويحوله إلى رماد.

يشير برادبوري إلى دور الأدب في إنقاذ العالم، عبر إعادة الإنسان إلى إنسانيته، وحضه على اكتشاف ذاته بعيدا عن الانسياق لجنون الآلة ووحشيتها

الأدب وإنقاذ العالم
يشير برادبوري إلى دور الأدب في إنقاذ العالم، عبر إعادة الإنسان إلى إنسانيته، وحضه على اكتشاف ذاته بعيدا عن الانسياق لجنون الآلة ووحشيتها. تراه من خلال بطله مونتاغ يعبر عن الحنين إلى الفطرة الإنسانية، ويستحضر من خلال حالة السجال الداخلي سجالات واقعية حول جدوى الثقافة والأدب من عدمه.

ويذكر أن ما يروج من علوم تسطيحية هي من باب التحايل على الناس بتلقينهم معلومات بسيطة وتضخيمها على أنها حقائق، والابتعاد عن المواد  المحرضة على التفكير العميق والممنهج مثل الفلسفة وعلم الاجتماع.

تلك أفكار لم يعد لها مكان أو قيمة، كما يقول المدير لمرؤوسه مونتاغ وهو يحرضه على الإتقان في عمله (حرق الكتب): "أدر عقل الإنسان في آلة الطرد المركزي لتتخلص من كل الأفكار غير المجدية المضيعة للوقت..".

يكون الفصل الختامي في رحلة العودة إلى الرشد والعقل والمنطق، في تعرف مونتاغ إلى المفكر فابر، والتخطيط معه لإنشاء شبكة لإحياء الكتاب وإعادة القراءة، يتفاجأ بعد مدّة قصيرة أن مخططه انكشف لمديره الذي يقوده إلى بيته ويحرقه أمام عينيه.

هناك يقوم مونتاغ بتمرده ويحرق مديره ومن معه، ويكمل رحلة الهرب من المدينة لينضم إلى فريق المنبوذين من حملة الشهادات الأدبية والفلاسفة الذين يحفظون الكتب عن ظهر قلب، ويتسمى كل منهم باسم الكتب أو الفصول التي يحتفظون بها، ليصبح الناس كتبا متحركة بانتظار التجسّد في أوراق تحميها من الاندثار والحرق.

يختم الكاتب بإطلاق صفّارة إنذار، حيث تنشب حرب شاملة تودي بالمدينة وتحرقها وتدمرها، ليكون الأمل في إعادة البناء والتأسيس بناء على ما يختزنه الهاربون من بطش النظام في صدورهم، وعقولهم ليكونوا هم التراث والمستقبل معا، ويعيدوا للحياة وجهها الإنساني الأصيل المتجلي في الآداب والفنون والعلوم والمعارف بأنواعها المختلفة لا في الآلات المتوحّشة فقط.

المصدر : الجزيرة