"بعيدا من الضوضاء".. سؤال الزمن المغربي الملتبس
آخر تحديث: 2014/3/8 الساعة 13:39 (مكة المكرمة) الموافق 1435/5/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/3/8 الساعة 13:39 (مكة المكرمة) الموافق 1435/5/8 هـ

"بعيدا من الضوضاء".. سؤال الزمن المغربي الملتبس

غلاف رواية "بعيدا من الضوضاء" للمغربي محمد برادة (الجزيرة)
غلاف رواية "بعيدا من الضوضاء" للمغربي محمد برادة (الجزيرة)
غلاف رواية "بعيدا من الضوضاء" للمغربي محمد برادة (الجزيرة)
إبراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
يستعيد الروائي المغربي محمد برادة نفسه الروائي بعد سنوات من الغياب عقب صدور روايته الجديدة "بعيدا من الضوضاء.. قريبا من السّكات"، وهي رواية تكاد لا تختلف عن رواياته السابقة "لعبة النسيان" الضوء الهارب"، "مثل صيف متكرر" و"حيوات متجاورة"، سواء من حيث الموضوعات المتناولة، أو من حيث الصوغ الفني.

يظل برادة وفيا لنهجه التجريبي، ملازما لسؤال متكرر ظل يلاحقه، وهو العلاقة الذاتية بالزمن المستعاد، والمسافة مع التاريخ القريب البعيد، ومع الجسد، ومع الخطاب السياسي الذي ولد لدى أبطال روايات برادة المحسوبين على النخبة نوعا من الاغتراب العميق، مبعدا إياهم عن الحياة السياسية والثقافية، وكثير منهم اختار المنافي الاختيارية كتعبير عن عدم الرضا، والفشل الذريع في تحقيق الأهداف المرجوة.

ما يجمع شخصيات، الرواية كونها تهرب من لفح الواقع، مستعينة بالآفاق المشرقة التي تهيئها الذاكرة، بعيدا عن ضغط الإخفاقات اليومية التي تحاصرها

أربعة مسارات
يستعرض متن النص الروائي -الصادر عن كل من دار الفينيق ودار الآداب- مسارات أربع شخصيات من أجيال متعاقبة، تنتمي كلها إلى تاريخ المغرب المعاصر، تحكي سيرتها مع الحياة والسياسة والحياة والجسد والجنس الآخر.

وبالرغم من كونها تختلف على مستوى الاختيارات والمصائر والعلاقات فإن هوسا غريبا يجمعهم بحالة الوطن، وبالتغييرات المفاجئة التي تحدث في غفلة من كل المهتمين بالشأن السياسي والاجتماعي، وبالرغبة في الانتقال الديمقراطي، وبالأمل في تحقيق حلم الحرية الشاملة التي تبتدئ بالقطع مع التقاليد البالية، وتفريغ الجسد من مخالب الحرمان والكبت، ومنح الاستقلالية للفرد في تقرير مصيره، ومعانقة اختياراته المختلفة.

فهناك  الشاب "الراجي" صاحب الشهادة الجامعية والمعطل عن العمل الذي يكلفه أحد المؤرخين بجمع آراء الناس حول مستقبل المغرب، فتولدت لديه نتيجة المادة التي استجمعها، والشخصيات التي صادفها، فكرة كتابة رواية تغطي ما يزيد على نصف قرن من الزمن من تاريخ المغرب، ترصد المنعطفات الحاسمة التي صنعت مغرب اليوم وتصور التبدلات الرهيبة التي طرأت على مستوى القيم والمواقف والتمظهرات الثقافية والعمرانية والاجتماعية.

وهذه الشخصية بقدر ما عانت من البطالة والفقر، فقد عرفت ارتواء على مستوى الوعي بالذات ومعرفة الجسد والناس، مقارنة مع باقي الشخوص.

أما "توفيق الصادقي" المولود عام 1931، فهو محام عاش في وسط محافظ، لكنه عرف بطموحه ورغبته في المعرفة والاستكشاف وتجاوز التقاليد والكوابح الضاغطة، وظل تواقا لرؤية مغرب ينعم بالديمقراطية والحريات، غير أن التاريخ كانت له الكلمة الفيصل، في خلق توازنات جديدة لم تكن على بال.

وتأتي شخصية "فالح الحمزاوي" المولود سنة 1956، وهو أيضا محام، تشكل وعيه السياسي من خلال تجربته الكبيرة في النضال والانتماء للمنظمات والأحزاب والهيئات، مثلما تشكلت معرفته بالآخر وبالجسد من خلال علاقاته المتعددة وسفرياته إلى الخارج.

وتتميز شخصية الطبيبة النفسانية المنفتحة "نبيهة سمعان" المولودة عام 1956، بالتمرد على كل السلط والتقاليد، تعيش حياتها كما تشاء دون تفكير في العواقب، ملبية نداءات الجسد، والروح، ومتحللة من كل الالتزامات والقيود المجتمعية.

وما يجمع كل هذه الشخصيات، كونها تهرب من لفح الواقع، مستعينة بالآفاق المشرقة التي تهيئها الذاكرة، بعيدا عن ضغط الإخفاقات اليومية التي تحاصرها.

على امتداد الرواية لم يكن برادة معزولا عن سياق شخصياته، التي يصر من خلال كل أعماله الروائية، على أن تكون مرايا لذاته، في تعددها وانفتاحها، ونكساتها، وطموحاتها المجهضة

التاريخ الملتبس
يعكس محمد برادة في كل رواياته سؤال الزمن المغربي الملتبس، خاصة فيما يتعلق بالهاجس السياسي، الذي يسير في الغالب عكس ما تحلم به الشخصيات سواء على مستوى الواقع أو المتخيل.

ويظل الزمن يضيق الخناق على ذات الراوي، الذي يصبح ضحية تماه غريب مع الماضي المستعاد، يلوكه، محصيا نجاحاته وإخفاقاته، من خلال حواره العميق والمستديم مع الذاكرة.

وهذا ليس بغريب على محمد برادة المثقف والكاتب والسياسي الذي ناضل وهو طالب في الجامعة، ثم وهو أستاذ في كلية الآداب، وخاض دروب العمل السياسي في أحد أحزاب اليسار طولا وعرضا، وشارك في جمعيات المؤسسات المدنية، وراهن على خيارات الجماهير في التغيير، وعايش المنعطفات التاريخية والسياسية التي عرفها المغرب طوال أكثر من نصف قرن.

وعقب نكسة اليسار بعد التنازل عن المواقف والخيارات الإستراتيجية الكبرى في تسعينيات القرن الماضي وصعود المد اليميني، واكتسابه شعبية ساحقة اعتزل العمل السياسي، ولاذ بمنفاه الاختياري في بلجيكا.

وعلى امتداد الرواية لم يكن الكاتب معزولا عن سياق شخصياته التي يصر من خلال كل أعماله الروائية على أن تكون مرايا لذاته، في تعددها وانفتاحها، ونكساتها، وطموحاتها المجهضة، أمام تكالب السلط القوية والحصارات المضروبة على الخيار الثوري الحالم بالتغيير نحو الأفضل.

الصوغ الفني الواعي للرواية يعد اختيارا سرديا يراهن عليه الكاتب من أجل تأسيس كتابة روائية حداثية مختلفة، تتناغم مع متغيرات وتستجيب للذائقة النقدية للروائي

النهج التجريبي
يظل الروائي محمد برادة وفيا لنهجه السردي التجريبي، حيث يوظف وعيه النظري والنقدي في الممارسة النصية، ويتّخذ من متنه ورشا مفتوحة على تنوع الخطاب إلى درجة أن القارئ العادي يجد صعوبة في إعادة بناء وتوليف قطع المتن السردي الذي يهيمن عليه أسلوب التقطيع، والتناوب، والتخلل من قبل خطابات مغايرة.

ويعد هذا الصوغ الفني الواعي اختيارا سرديا يراهن عليه الكاتب من أجل تأسيس كتابة روائية حداثية مختلفة، تتناغم مع متغيرات وتستجيب للذائقة النقدية للروائي، وتعمل على تشغيل وعي المتلقي وإثارة أسئلته، بالموازاة مع رحلة القراءة، التي يرى فيها برادة فعلا خلاقا قد يضاهي فعل الكتابة نفسه، وليس عملا استهلاكيا سلبيا يبحث عن الجاهزية في النصوص.

وبذلك، فالكتابة والقراءة مشروعا متكاملا لا ينفك عن المشاريع الإنسانية التي تلهث خلف بريقها أغلب شخصيات هذا العمل الروائي.

وتشكل الرواية حقلا خصبا لتناسل اللغات وتصارع القيم وتشابك الأفكار والمواقف، فهناك الحضور المكثف للغة العامية المغربية، واللغة الفرنسية التي تعتبر من مخلفات العهد الاستعماري ومشرعه الاستلابي، واللغة العربية الفصحى الأنيقة التي تضطلع بتخييط المناسج اللغوية، وإلحام الخطابات.

كما تتعدد الخطابات المتخللة للنص، حيث نجد الرسالة، والنقد الأدبي في نهاية الرواية، وبعض التعقيبات والملاحظات النقدية التي تقتحم مجال الحكي. ناهيك عن نصوص غناء العيطة المغربية، وبعض المأثورات والحكم والأمثال والمذكرات التي يستلهمها الروائي لتعزيز المحكي ومقولاته الدلالية.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: