ظل الأدب الشريك الدائم والرفيق الوفي للسينما في العالم، وعلى الرغم من أن السينما لم تنشأ من رحم الأدب بل عرفت مراحلها الجنينية بعيدا عنه فإنها تمكنت من ربط علاقة هي أمتن ما ربطته السينما بالفنون الأخرى.

كمال الرياحي-تونس
 
ظل الأدب الشريك الدائم والرفيق الوفي للسينما في العالم، وعلى الرغم من أن السينما لم تنشأ من رحم الأدب بل عرفت مراحلها الجنينية بعيدا عنه فإنها تمكنت من ربط علاقة هي أمتن ما ربطته السينما بالفنون الأخرى.

ويمثل الاقتباس العصب الأساسي لتلك العلاقة، فاستدعى المخرجون الرواية والقصة القصيرة وأدب الملاحم والأدب الشعبي إلى الشاشة البيضاء فقدموا روائع السينما بروائع الأدب. وفي المقابل استفادت الرواية من السينما استفادة كبيرة لا فقط في الدعاية لها من خلال الأعمال المقتبسة منها، إنما من خلال ما وفرته السينما من أدوات جديدة للكتابة الروائية فأصبحنا نتحدث عن أثر السينما في التشكيل الروائي والممارسة الروائية.

ويذهب الجامعي التونسي بوراوي عجينة في مؤلفه "مساءلات نقدية" -على منوال عدد من النقاد العرب المولعين بتأصيل الوافد- إلى البحث عن أصول لمعظم التقنيات السينمائية والعودة بها إلى الأدب القديم العربي منه والغربي.

فما يسمى "الصورة الكبيرة" وجدها عند الجاحظ كما "الصورة الشاملة البعيدة جدا"، أما تقنية "الزووم" فليست غير تقنية التبئير التي عرفها القارئ مع بلزاك، وحتى المونتاج الموازي عرف مع أدب التراسل، وليس الفلاش باك سوى الومضة الورائية التي عرفناها مع مارسيل بروست قبل السينما، ولم يسلم حتى "الترافلينغ "من التأصيل الأدبي مع بوراوي عجينة فوجد "عين الكاميرا المتجولة" في الأدب القديم.

تمثل ثقافة الصورة اليوم الثقافة المهيمنة فخرج الكاتب من ثقافة التزويق والنسج إلى ثقافة القص والتركيب وثقافة الكتابة الشذرية

أدوات سردية
ويذكر هذا ببحوث بعض الباحثين العرب التي حملت عناوين غريبة كالنزعة الرأسمالية في شعر امرئ القيس أو الشيوعية في أشعار الشنفرى وعروة بن الورد أو النيتشوية في شعر المتنبي.

هذه الرغبة في التأصيل تبدو لنا متكلفة ولا يمكن أن تقنعنا بعدم تأثر الروائيين بالكتابة البصرية وهم يتابعون هذا المنجز الكبير من الأفلام، ونحسب أن هذا التأثر طبيعي كتأثر الأدب بمنجزات الفن التشكيلي مثلا.

لقد أصبحت تلك التقنيات السينمائية تقدم في الأعمال الأدبية للمتلقي بشكل شبه علني وبشكل متواتر، وهذا ما يجعل الكاتب يتأثر بالضرورة بهذه التقنيات التي ارتحلت من الأدب واكتسبت هوية جديدة في عالم الأفلام.

وفي الوقت الذي تغير فيه الكاتب بتغير مصادره الثقافية تغيرت أدواته السردية دون أن يقصد أحيانا. وتمثل ثقافة الصورة اليوم الثقافة المهيمنة فخرج الكاتب من ثقافة التزويق والنسج إلى ثقافة القص والتركيب وثقافة الكتابة الشذرية أو المقاطع السردية ثم العمل على تركيبها وفق حبكة مستنبطة. ويذكرنا هذا بصناعة الأفلام مباشرة، وهي إقدام المخرج على تصوير عدد من المشاهد  ثم اختبارها على طاولة المونتاج.

وأصبح الروائي اليوم يصرح في المنابر الإعلامية بأنه في مرحلة إنجاز المقاطع التي سيقع تهذيبها وتطويعها لتسلسل الأحداث في مرحلة المونتاج وهي مرحلة الحبك والتشذيب وهي عملية أشبه بما يقوم بها البناء مع الحجارة قبل استعمالها للبناء.

الرواية العربية الجديدة مع الجيل الجديد تنحو أكثر نحو السينمائية والاستفادة من هذه الأدوات إن كان ذلك في مستوى الأدوات والتقنيات أو في مستوى محاورة متن المدونة السينمائية العالمية

الهويات المتداخلة
هذا التقارب الكبير بين الفنين الروائي والسينمائي دفع ببعض الروائيين إلى اقتحام عالم الإخراج السينمائي، كما هو الحال مع الروائي الأميركي بول إستر الذي أخرج عددا من رواياته وكتب سيناريوهات بعضها، والفرنسي آلان روب غريي، كما دفع بمخرجين سينمائيين إلى الكتابة الروائية كما هو حال الأفغاني عتيق رحيمي صاحب "حجر الصبر" (غونكور 2008) أو المغربي الشاب عبد الله طايع الذي بدأ روائيا قبل أن ينقلب إلى مخرج. 

هناك أيضا المصري أحمد مراد الذي تخرج من معهد السينما وأخرج عددا من الأفلام القصيرة، لكنه كتب روايته "فيرتيجو" مستفيدا من ثقافته السينمائية ودفعه نجاحها للتفرغ للكتابة الروائية دون أن يتخلى عن هذه الثقافة التي وظفها أيضا في روايته "تراب الماس" ومؤخرا في روايته "الفيل الأزرق" التي صنفت بالقائمة القصيرة للبوكر 2014.

والحق أن الرواية العربية الجديدة مع الجيل الجديد تنحو أكثر نحو السينمائية والاستفادة من هذه الأدوات إن كان ذلك في مستوى الأدوات والتقنيات أو محاورة متن المدونة السينمائية العالمية ونمثل لهؤلاء الروائيين بالعراقي أحمد سعداوي في روايته "فرانكشتاين في بغداد" أو المصري محمد صالح العزب في "وقوف متكرر" أو السعودي عبد الله ثابت في "الإرهابي عشرين" أو المصري أشرف عشماوي في روايته "البارمان".

ويقرأ على أغلفة بعض الروايات العربية الجديدة عبارة "رواية سينمائية" وهي علامة أجناسية جديدة ابتدعها الروائي العربي المعاصر إيمانا منه بهذا التأثر بالسينما تقنية وعالما، كما هو الحال مع الروائي برهان شاوي في روايته "الجحيم المقدس".

استطاعت الرّواية بمرونتها وانفتاحها أن تمتص معظم الفنون الأخرى وتهضم عوالمها، فانفتح النص الروائي على المسرح وعلى السينما مثلما انفتح على الرسم وعلى النحت والموسيقى

ما قبل الكتابة وما بعدها
بدا الروائي المعاصر يقوم بما يقوم به المخرج قبل الشروع في التصوير فيخرج لاختيار الأماكن التي ستجري فيها أحداث روايته وأخذ صور للبنايات أو لشقق وحدائق وملاعب وحانات وجسور معينة، فأصبح بذلك يتنقل بنفس معدات المخرج من كاميرا التصوير والفيديو.

ومن هؤلاء الروائيين الإيطالي من أصل جزائري عمارة لخوض صاحب رواية "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك" وقد أجاب يوما عن سبب زيارته لمدينة تورينو "أتيت لأختار لبطل روايتي المقبلة شقة تناسبه". وتتواصل تجربته إلى اليوم مع التسجيل بالصورة للأماكن التي يختارها لعمله الروائي، ولا يتردد في السفر إلى هولندا أو أميركا مقتفيا أثر بطله الذي دفعت به الأحداث للسفر.

ومن أهم مراحل صناعة الأدب مرحلة الترويج له، والتي حاكت بشكل كامل الترويج للأفلام السينمائية، فأصبحت تقرأ على أفيشات الدعاية للكتب عبارة "رواية لعلاء الأسواني" مثلما تقرأ ملصقات فيلم تحمل عبارة "فيلم ليوسف شاهين" وتتضح الاستعارة الواضحة من عالم السينما في تلك الومضات الدعائية للروايات والمحملة على يوتوب وغيره وهي مطابقة تماما للومضات الإشهارية للأفلام أو ما يسمى بـ"البرومو".

ويقتحم هذا المجال خاصة الروائيون الجدد في العالم العربي بشكل سخصي في غياب مؤسسات نشر حداثية تعنى بهذه الطرق من الترويج. وهذا أيضا دليل آخر على أن المؤسسات العربية المنتجة للكتاب ما زالت متخلفة على ما بلغه الكتاب الذين ينشرون فيها وهذا ما يدفعهم إلى القيام بهذه الدعاية بأنفسهم.

تبدو لنا علاقة الكتابة الروائية بتقنيات السينما قديمة بعض الشيء تكرست خاصة مع الرواية الجديدة وأعمال الفرنسية مارغريت دورا، وتمثل روايتها "هيروشيما حبيبتي" مثالا صادقا لهذا التقارب بين فن كتابة السيناريو وكتابة الرواية، ولنا في أعمال المصري إبراهيم أصلان من "مالك الحزين" إلى "وردية ليل" أمثلة أخرى عربية، إلى جانب ما أقدم عليه صنع الله إبراهيم من استغلال فن السيناريو في العمل الروائي نفسه في روايته "وردة"، وكل ذلك يؤكد طبيعة الجنس الروائي الاستحواذي.

فقد استطاعت الرواية بمرونتها وانفتاحها أن تمتص معظم الفنون الأخرى وتهضم عوالمها، فانفتح النص الروائي على المسرح وعلى السينما مثلما انفتح على الرسم وعلى النحت والموسيقى.

وتمثّل هذا الانفتاح في استعارة الرواية لعوالم هذه الفنون وأدواتها التعبيرية مما جعل النص الروائي أشبه بصندوق الساحر الذي يفاجئنا فتحه بكل الممكنات والعجائب، فالرواية كما يقول الباحث الفرنسي بير شارتييه "إمبريالية بطبعها، تستعمر وتضمّ المناطق المجاورة دون خجل".

المصدر : الجزيرة