شارك د. سعيد يقطين مؤخراً في فعاليات جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي بالعاصمة السودانية الخرطوم، مُحكِّما ومقدما لورقة علمية بعنوان "الأنا، الآخر، السرد.. من أجل سرديات للهوية". وكان لافتاً للنظر معالجته لقضية الهوية بشكل أثار انتباه جمهور المثقفين.

سعيد يقطين في رحلة على مركب في عرض نهر النيل (الجزيرة)

محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يعتبر سعيد يقطين أحد أبرز المفكرين العرب الذين سكبوا عصارة جهدهم من أجل قراءة تستوعب الحاضر والماضي وتستشرف المستقبل سردياً، باعتبار أن الهوية الإنسانية ترتبط بالقول لترتقي إلى مراق أعلى إنسانياً.

شارك الأكاديمي والكاتب المغربي د. سعيد يقطين مؤخراً في فعاليات جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي بالعاصمة السودانية الخرطوم، مُحكّماً ومقدماً لورقة علمية بعنوان "الأنا، الآخر، السرد.. من أجل سرديات للهوية".

وكان لافتاً للنظر معالجته لقضية الهوية بشكل أثار انتباه جمهور المثقفين. وقد عُرِف عنه في كتاباته تحليله الذكي والعميق للنصوص الروائية العربية، خاصة تلك التي اعتمدت على التراث العربي وتحليل الخطاب السردي.

جلست إليه الجزيرة نت للتداول في محاور شتى على ظهر مركب في عرض نهر النيل بالخرطوم. وفيما يلي حصيلة الحوار:

 في ورقتك التي قدمتها تحدثت عن سرديات جديدة للهوية من خلال الأنا والآخر.. ماذا تعني؟

 عندما نعود إلى مختلف الكتابات العربية سنجد أنها تتعامل مع الهوية من زاوية المحتوى، أو من زاوية المضمون، وتقدم لنا طريقة نمطية في التمييز بين الأنا والآخر.

وهذا الوجه هو فقط مظهر بسيط من المظاهر التي يمكن أن تتخذها الأنا مع الآخر في السرد، وهذا ما عملت على تقديمه بتمييزي بين الهوية الشخصية والهوية السردية.

الهوية الشخصية بانتمائها إلى فضاء ما، إلى ثقافة ما، عندما تشتغل سردياً فهي ستوظف الآليات التي يقدمها لنا العمل السردي كيفما كان جنسه وكيفما كان نوعه وكيفما كان فضاء انتمائه.

لذلك كل الذين يسردون عن ذواتهم سواء كانت هذه الذات فردية أو جماعية، فهم يسردون من منظور ما، هذا المنظور هو الذي يتحقق بواسطة اللغة، وبذلك يتبين لنا عندما نقوم بتحليل جديد لهذه العلاقة بين الأنا واللغة، بين الأنا والسرد، أننا سننظر إلى ذات مختلفة عن الذات التي ظل الكاتب العربي يتعامل معها وهو ينظر لها فقط كتيمة فيها.. أنا عربية لها هوية والآخر الغربي له هوية أخرى مختلفة، وبذلك تضيع السردية الخصوصية التي نعول عليها كثيراً في تقديم هذه الهوية وفعلها.

الوطن العربي يعاني من ازدواج في الهويات كيف يمكن معالجة ذلك؟

 يقطين: كلما ارتقى وعينا فهمنا ذواتنا (الجزيرة)

هذا هو المشكل الذي أسعى لمعالجته من خلال ما أسميتها بالهوية السردية، لأنه سيظهر لنا أن التمسك بهوية ما ينبع من قلق وجودي ما، وغالباً ما يتخذ هذا القلق الوجودي بعداً سياسياً.

ولكن عندما نحاول تحليل هذه الهوية ونتخذ هذا البعد سنرى أنها في الحقيقة تخلق هوية مفتعلة. صحيح مبرراتها موجودة ولكنها موجودة لدى كل الأطراف أي لدى الأنا والآخر، وهما يتبادلان المواقع. فعندما لا يكون هناك سمو للارتقاء بالأنا إلى المستوى الأعلى سيظل دائماً الأنا ينظر إلى نفسه على أنه متفوق على الآخر أو أن الآخر هو دون الأنا.

 ما يحدث الآن في العالم العربي من ثورات وتحولات ألا ترى أنه يمكن أن يأتي بسرد جديد؟

 إذا تم الارتقاء بالوعي بالذات إلى مستوى أعلى يمكن أن يؤدي إلى سرد جديد. ولكن عندما تظل الرؤية السائدة للهوية هي القائمة سأرى أن هذا السرد سيكرس للتفريق بين الذوات وليس للتقريب بينها، ولذلك في رأيي كلما ارتقى وعينا السردي ارتقينا إلى فهم ذواتنا في علاقتها بالذوات الأخرى.

لك دراسة حول الرواية والتراث تناولت فيها جمال الغيطاني وواسيني الأعرج وأمين معلوف، إلي أي مدى استفاد الروائيون العرب من التراث؟

الرواية العربية بعد هزيمة عام 1967 حاولت فعلاً أن تبدأ بطائلة التراث العربي، لماذا؟ لأن جزءًا كبيراً جداً من هذا التراث يحضر فيه الجانب السردي. ولا شك أن الكاتب الروائي عندما يفكر في الكتابة يكون عنده مخزون سردي، وجزء أساسي من هذا المخزون السردي يرتبط بالثقافة الشعبية.. بالمرويات الحكائية التي تلقاها من الأم، ومن الساحة العمومية، وكل ذلك دفعه وهو واعٍ بعمله السردي للرجوع إلى المتون القديمة، وبالتالي حاول من خلالها أن يتفاعل مع السرد العربي القديم ليقدم لنا تجربة روائية متميزة.

وفي كتابي "الرواية والتراث" حاولت أن أعالج هذه العلاقة من خلال اتخاذ الروائي لنص سردي عربي قديم ومحاولته تقديم نص روائي جديد باستثمار ذلك النص وإعادة كتابته، أو كتابة نص جديد مستثمراً النص السردي العربي القديم.

 نلاحظ طغيان المناهج الغربية في تحليل الخطاب الروائي لدى سعيد يقطين؟

 أنا لا أرى أن هناك ما هو غربي وما هو غير غربي، لأن المناهج حين تتصل بالعلوم، فهذه المناهج تصبح قابلة لأن نوظفها في درس أي ظاهرة كيفما كان نوعها. والأدب العربي باعتباره تعبيراً يتم بواسطة لغة هو قابل لأن نستثمر فيه هذه الإنجازات المنهجية المتطورة، لأنه لا يمكننا أن نقول إن بعض المناهج تصلح لتحليل نصوص ما في حين أن مناهج أخرى تصلح لنصوص أخرى.

النص العربي يمكن أن نشتغل فيه بمناهج تبلورت في الغرب، ولكن نحن لا نأخذ هذه المناهج كما هي بل نحاول أن نتمثلها ونستوعبها جيداً ونشتغل بها على النص العربي. 

 كيف تنظر إلى ما أثير من جدل في مهرجان الطيب صالح بشأن تقدم الرواية وتراجع الشعر، أعني ماذا عن جدلية الشعر والرواية؟

أنا أعتبر هذه المسألة داخلة في إطار نظرية الأجناس الأدبية، والأجناس قابلة للتطور وللتراجع بحسب الدور الذي يمكن أن تقوم به داخل المجتمع.

وعندما كان يقال عن الشعر إنه ديوان العرب كان ذلك يتم في إطار مجتمع يعتمد على الوسيط الشفاهي. وهذا لا يعني أن الإنسان في المرحلة الشفاهية لم يكن يمارس السرد. لكن ظهور أنواع سردية قابلة لفرض ظهورها سيتم مع ظهور الطباعة، لذلك فالمسألة في حد ذاتها ضرب من تبادل المواقع بين الأجناس بحسب الدور الذي تقوم به داخل المجتمع. 

المصدر : الجزيرة