يستعين السوري أحمد عمر في مجموعته القصصية "حرب أهلية" بالسخرية وسيلة لمحاكاة الواقع ورصد تناقضاته، يمزج البسمة بالدمعة، وينسج القصص مصدّرة بالبساطة ومحملة بمرارة تصل لدرجة الهزء الذي لا يخلو من تقريع وصدمة، وحتى جلد الذات أحيانا.

غلاف المجموعة القصصية "حرب أهلية" للسوري أحمد عمر (الجزيرة)
هيثم حسين
 
يستعين السوري أحمد عمر في مجموعته القصصية "حرب أهليّة" بالسخرية وسيلة لمحاكاة الواقع ورصد تناقضاته، يمزج البسمة بالدمعة، وينسج القصص مصدّرة بالبساطة ومحملة بمرارة تصل لدرجة الهزء الذي لا يخلو من تقريع وصدمة، وحتّى جلد الذات أحيانا.

تحوي المجموعة -التي أصدرتها دار نون بالإمارات مؤخرا- أربع عشرة قصة، هي "حكاية البئر التي تموء"، "قبعات من حجر"، "قبر على كوكب ميركوري"، "قصة الحضارة"، "الرجل الماموث"، "ظلام وانتقام"، "التطبيل والتزمير"، "الذئب الأخير في مملكة الحمير"، "بلاد الألغام المثمرة؟"، "الخط الأحمر"، "الدستور"، "حرب أهلية"، "حديقة الآلام"، "تمرينات في النحو والإعراب".

يختار عمر (من مواليد عامودا عام 1964) لمجموعته عنوانا يتوافق مع الواقع الراهن في بلده، وحتى إن كانت عناوين القصص تشير إلى ما يختلف عن دلالتها الواقعية، إلا أن الإسقاط المباشر والحديث عما يجري في البلد يحتل الصدارة، وكأنه يقص حكايات غريبة أودت بأبطالها وضحاياها إلى ساحات حرب أهلية مفتوحة، أو يقدم شذرات عن بذور الشقاق الحاصل والانقسام المفجع.

يقص الكاتب السوري حكايات غريبة أودت بأبطالها وضحاياها إلى ساحات حرب أهلية مفتوحة، أو يقدم شذرات عن بذور الشقاق الحاصل والانقسام المفجع

إحالات ودلالات
ينتقل القاص في القصة نفسها من فكرة إلى أخرى، يعتمد طريقة الإحالات التاريخية من خلال التذكير بأسماء بعينها، أو تحريف بعض الأحرف والتلاعب بالكلمة أو التسمية بحيث تنفتح على دلالات جديدة، وتنهض بأعباء معاصرة، ففي "حكاية البئر التي تموء" مثلا، يصور وقوع قطة صغيرة في إحدى الفراغات العميقة ببناية بائسة، يشبهها بالبئر المعتمة.

تكون تلك الحادثة نافذة للتعرف إلى عوالم الجيران من جهة، وطبقات المجتمع من جهة أخرى، فحين يسعى لتأمين طعام القطة يصدَم بواقع شرائح اجتماعية لا تملك ثمن طعامها، وبالمقابل هناك آخرون يعادل ثمن طعام حيواناتهم دخل عدّة أسر.

وبرغم تعاطف السارد مع القطة فإنه يعدم الوسائل لإنقاذها، لأنه يجد نفسه أمام متاهة من الاحتمالات، وفي مواجهة متوقّعة مع سلطات وعادات وأعراف قد تودي به، فلا يملك إلا إسعاف القطة بالطعام والشراب من عل، ويتركها تموء، ومعها الآبار الثكلى تموء أيضا.

وتكون قصّة "قبعات من حجر" مرآة لكشف الطبقية السائدة في مجتمع يزعم المساواة وإلغاء الطبقية، بحيث تكون واقعة بسيطة فاضحة لهول الانقسام المجتمعي، فيرى أن هناك طبقتين بناء على القبعة التي تبدو كقناع مضلل، ويجد أن المقسم بدوره يكون عرضة تالية للتقسيم، حين يصور انقسام المستعبدين إلى طبقتين: طبقة غير المقبوعين السلبيين وطبقة غير المقبوعين الإيجابيين، وهم أفضل حالا من السلبيين المحرومين من أي مكاسب.

يحاول عمر الإشارة إلى الفساد المستشري في بنية المؤسسات الحكومية، من ذلك مثلا أن يحترف مدير أحد المعامل سرقة ألواح السيراميك وتخبئتها بين صفحات جريدة قديمة، ويحرص على أن يحمل كل مرة لوحا لأنه إذا سئل سيجيب بأنه أخذه من أجل رسم خريطة الوطن، أو سيختلق أعذارا تجعل السائل محرجا.

ثم يدمن تلقي الرشى دوما تحت مسميات مختلفة، يختار له اسما "ولي بابا" في ترميز إلى "علي بابا والأربعين حرامي"، ويشير إلى الظن الذي تعمم في الحياة السوريّة في عقود الفساد ونسف بنية البلاد المؤسسية، وهو أن كل موظف حكومي لص "على رأس عمله" أو لص نائم سيستيقظ إن سنحت له الفرصة. وهو ما كان يتخذه "ولي بابا" شعارا ومثلا أعلى له، وتكراره "حلال عَ الشاطر" والذي يعني حكما "حرام على القاصر".

يعتمد الكاتب طريقة الإحالات التاريخية من خلال التذكير بأسماء بعينها، أو تحريف بعض الأحرف والتلاعب بالكلمة أو التسمية بحيث تنفتح على دلالات جديدة، وتنهض بأعباء معاصرة

تطبيل وتزمير
يذكر صاحب "مقصوف العمر" بأسلحة الطغيان المحدّثة، كما في قصته "التطبيل والتزمير" حيث يحكي اختراع أحد المقاتلين الأبطال سلاحا جديدا: هو الطبل، فيخلع عليه لقب فارس الفرسان. يثبت السلاح الجديد فعالية ضد الحيوانات المتوحشة كلها، إلا الأفعى، إلى أن اكتشف فارس الفرسان، نفسه، سلاحا آخر، هو المزمار، يجعل الأفاعي ترقص، فكف أذاها عن الإمبراطورية، فصار الطبل والمزمار بالنسبة للإمبراطورية سيفا وترسا، وشعارا وختما.

يبالغ في السخرية، حيث يتفاجأ أن أنواع الطبول كثرت وصار لكل مقاتل طبلة. ويكون تحذير أحدهم لأتباعه من سلوك حربي خطير، الطبل والزمر قبل المعركة، ولكن دون دبكة، الدبكة والرقص بعد الانتصار.

هذه قاعدة أولى. والقاعدة الثانية: أن الطبل والمزمار لا يغنيان عن السيف والترس. فالطبل والزمر تكتيكيان لا إستراتيجيان. وحين الخسارة في الحروب يكمن السبب في عدم الالتزام بقواعد الرقص.

يحكي عمر في أكثر من قصة مثل "بلاد الألغام المثمرة؟"، "الدستور"، "حرب أهليّة"، عن تلغيم مجتمع برمته، بمختلف قطاعاته وشرائحه، وعدم الاكتفاء بأرض أو منطقة، بل تفخيخ الكلّ وتوقيت التفجير بحسب رغبة المتحكم، يرى أن الألغام كانت مزروعة في طول البلاد وعرضها، ويصف دهشة المراقبين لكثرة الألغام، وقول بعض المتفكهين إن اللغم الواحد أثمر سبعة ألغام، مثل درنات البطاطا خلال العقود الماضية.

يذكّر كذلك بألغام مفترضة مطمورة في النص، ويختم بما يصفه بـ"لغم غير أخير" وهو هزيمة "مملكة الألغام المثمرة" في كلّ المعارك التي لم تخضها. ويرصد مهزلة حين كان العدو إذا ما حرك كتائب من عساكره، لتبديل نوبة حرس الحدود، أو بغرض التدريب، اضطربت المملكة، ودقت نفير الحرب فانفجرت مئات الألغام بجنودها المستنفرين. 

يعرج القاص كذلك على الفساد في الوسط الثقافي والإعلامي في ظل الاستبداد، والخطوط الحمراء الكثيرة التي يغرق بها المستبد محكوميه، بحيث يبقيهم أسرى تلك الخطوط ورهائن خوفهم المتصاعد. ويمسرح لحظات تقزيم "الدستور" في قصته "الدستور" وتفصيله على مقاس الحاكم المستبد.

يذكر عمر -الذي انتقل مؤخرا للإقامة بألمانيا-بعض السلوكيات التي يقوم بها أولئك الذين يفترض بهم أنهم ساهرون على أمن البلاد والعباد من إعدام الحمير ومعاقبة الحيوانات، وحرص السلطات التعليمية على تقديم الأغبياء إلى الواجهة وتسليمهم مفاتيح الإدارة كي يتمأسس الخراب بالتراكم ويعم الفساد كل التفاصيل.

المصدر : الجزيرة