تحضر مفارقات كثيرة في سياق تصوير عالم القرية المفعم بالتناقضات في رواية "زمن الحصار" للبناني غسان الديري، الذي يعود في نصه إلى سنوات الحرب العالمية الأولى التي تعرف بـ"سفربَرْلك".

غلاف رواية "زمن الحصار" للكاتب اللبناني غسان الديري (الجزيرة)
هيثم حسين
 
تحضر مفارقات كثيرة في سياق تصوير عالم القرية المفعم بالتناقضات في رواية "زمن الحصار" للبناني غسان الديري، الذي يعود في نصه إلى سنوات الحرب العالمية الأولى التي تعرف بـ"سفربَرْلك".

سنوات بلغ فيها التضييق على الناس مبلغا مؤذيا، رافقها حصار وتجويع لمن حاول الخروج عن عباءة السلطنة العثمانية، وكسر الطوق الحديدي المفروض على البلدان العربية التي كانت تراودها أحلام الاستقلال والتحرر.

يذكر الديري في روايته -التي نشرتها دار سائر المشرق في بيروت مؤخرا- بالثورة العربية الكبرى وأهدافها في تحرير البلاد العربية من قيود الاحتلال، والسعي لبلورة الشخصية العربية المتمسّكة بتاريخها وأحلامها، بعيدا عن الرضوخ والإذعان.

ويورد الروائي اللبناني خطوطا عريضة عن الأوضاع العامة في المنطقة والعالم، ليستقر على التدقيق في واقع منطقة لبنانية، وهي قرية المرج، والتعمق في سرد تفاصيل حياة أهلها، مازجا المتخيل بالواقعي، وراسما بذلك معالم رواية تنهض على التاريخ وتنبش بين ثناياه، عبر تفاصيل اجتماعيّة واقتصادية وسياسية.

عبر المفارقات الملتقطة، يرمز صاحب "مواسم العذاب" إلى وسائل اختصار التناقض الذي كان يعم مختلف أنحاء البلاد. يحضر لديه صراع الإرادات والقوى، صراع الخير والشرّ، التبعية والاستقلال، الجبن والشجاعة، الحب والكراهية، الهزيمة والانتصار، الظلم والعدل، وغير ذلك من الثنائيّات التي تنتاب القرية وأهلها.

وجوه الحب في زمن الحصار تتبدّى عبر أكثر من حالة، والحب يترافق مع الثورة والبحث عن الذات والوطن ويكتسب معانيه من الفداء والتضحية

وجوه وصور
يتخذ الديري "المرج" نموذجا لقرى كثيرة في المنطقة حينذاك، يصف ما كانت تمور به من حركة واضطراب وما يعترك من وعي بالثورة على المحتل في عقول وقلوب بنيها، وبخاصة جيل الشباب، وضرورة التحلي بالعلم والمسؤولية والإرادة لتحقيق أحلامهم وللتأسيس لمستقبل واعد لهم ولبلدهم.

يكون الحدث الأول الذي تنطلق منه دوائر متعاظمة تالية، هو أن أحد أبناء القرية الذي يقرر العودة من مهجره ليفتتح مدرسة يتعلم فيها أبناء قريته، وتكوين جيل متعلم وواع يدرك معاني الوطنية ويعمل من أجل الاستقلال، محاولا تخطي العقبات التي توضَع في سبيله.

يكون مغامرا في فكرته، يرهن ثروته للنهوض بقريته، يقابله وجه السلطة المنفّر: "الشيخ فريد"، الذي تسبغ عليه السلطة العثمانية اللقب ومن قبله على والده، وتطلق يده للإيداء بالناس والإطاحة بمن يخالفون رغباته وهيمنته.

وجوه الحب في زمن الحصار تتبدّى عبر أكثر من حالة، والحب هنا يترافق مع الثورة والبحث عن الذات والوطن، ويكتسب معانيه من الفداء والتضحية، فالشخصيات التي يرسمها الديري تكون رومانسية رقيقة شفافة في الحب، وشديدة المجازفة في الحرب والثورة، وكأنها صور عن بعضها، وإن اختلفت الأجيال.

ياسمين وهي أول بنت في قرية المرج تكسر الطوق الذكوري وتدخل المدرسة وتقتدي بها سائر بنات القرية والقرى المجاورة. ومعها صالح الذي يهيم بها وتبادله الحب. يشكلان بؤرة مركزية تدور من حولهما القصص وتعود إليهما، يؤثّث عالمَهما الشرّ الذي يفطر قلوب العشّاق عادة ويكون هنا متجسدا بالشيخ فريد.

حكايتا عشق تتقاطعان، الأولى حكاية صالح وياسمين التي ترتحل مع أهلها بعيدا عن القرية بعد تعرّض أبيها لمكيدة من الشيخ "فريد المقاطعجي"، حين يسعى لابتزازه وتزويج ياسمين بابنه العربيد "مخايل"، ولا يتورّع عن تشويه سمعته للنيل منه ومن ابنته.

والثانية عشق الراقصة سهام لإبراهيم الجردي المعروف بشهامته وبطولته وتميّزه ومناصرته للحق، واصطدام ذاك الحب بواقع كون الراقصة مُحارَبة اجتماعيا ومقهورة، ينتشلها الجردي من تلك الحالة بأن يطلب منها تأدية عمل بطولي، حين تساعده والثوار على الإيقاع بالمسؤول العثماني وحراسه فتكتسب ترقية اجتماعيّة وتكبر في عيون الجميع، ويتمّ تناسي ماضيها وتجاهله ولو لحين.

يحاول الروائي إضفاء إسقاطات معاصرة على روايته عبر التذكير بالحلم العربي بدول مستقلة قوية ذات سيادة بعد التحرر من الاستعمار

ميادين المواجهة
يظهر الديري مختلف الأدوار في مرحلة الثورة والحصار، وجانب التآخي السائد، سواء كان الديني أو المذهبي، وكيف يمكن لأي فرد أن يؤدي دورا هاما في مرحلة ما، ثم تكامل الأدوار لبلوغ الهدف المأمول، وأنه لا يفترض أن يكون العمل كله مسلحا في زمن الثورة، بل هناك أعمال سلمية أو محنكة لا تقل أهمية وتأثيرا وبطولة عن المواجهة المباشرة والقتال في الميدان، وأن للحرب ميادينَ كثيرة للمواجهة والمناورة.

يستحضر الديري جانبا من كيفية تلفيق الشائعات وتدمير الأسر من خلالها، كحالة والد ياسمين الذي يُتهم من قبل الشيخ فريد بأنه مصاب بالجدري وتسويق الشائعة وترويجها من دون أدلة موثقة، وارتهان الناس وتناقلهم التأكيد أيضا دون التيقن من حقيقة الأمر، ثم التعاطي معه وأسرته على أساس الاتهام الملفق، وفرض نوع من الحجْر عليه وإبعاده إلى البراري، ليكون قتيل الظن السيئ والتدبير الخبيث من متسلّط لئيم.

وفي النص مشهديات أخرى تعبر عن فداحة الخسارة في أزمنة الحرب والحصار، وحالات من انتعاش الحب والحياة على هامش المأساة وتراجيديات شعبية تتناقلها ألسنة الناس وتضفي عليها ما يجعلها مفعمة بالغرائب والمآسي.

حالات يأس وقهر سائدة، كتصويره لمشهد فتى يبحث في القمامة دون جدوى عما يسد رمقه، وفقدانه القدرة على النطق والتواصل، وتحوله إلى شبح إنسان، وهو الذي يفترض به أن يكون وقود الغد وأمله.

يعتمد الديري لغة مشحونة بالعاطفة، ويكون راويه الكلّي العلم معبّرا عن أحوال ودواخل الجميع، ويتبدى في أكثر من حوارية كأنه يستعيد الحالة نفسها مع اختلاف المتحاورين، يبرز ذلك في مناجيَات صالح وياسمين من جهة، ومصارحات الجردي والراقصة من جهة أخرى، يبدو كلاهما صدى للآخر واستعادة له.

ويحاول الروائي إضفاء إسقاطات معاصرة على روايته، سواء عبر التذكير بالحلم العربي بدول مستقلة قوية ذات سيادة بعد التحرر من الاستعمار، أو تلك الرومانسيات التي تصطدم بالواقع وتعود بخيبة إلى النقطة الأولى لتعاود الكرّة لاحقا.

ولا تخفى حالة الانكسار المتكررة في الرواية ولاسيما في اختياره لتلك النهاية الكرنفالية، حين تعود ياسمين إلى عاشقها المريض صالح، تغني "أبو الزولف" وأهل القرية من حولها، فيخرج إليها صالح يؤدي رقصة مميزة بجسده الهزيل، ويتداعى جسده وينهار ليسقط على الأرض، وتفتح تلك السقطة الباب أمام احتمالات انهيار أحلام الثورة، وحلم الشباب بغد أفضل.

المصدر : الجزيرة