بقدر ما تصدم الكاتبة المغربية لطيفة باقا القارئ بخيالها الابتكاري، ومقدرتها على سبر أعماق الإنسان المعاصر، وتجديدها على مستوى القوالب السردية بقدر ما ظلت حريصة على مورفولوجيا القصة مع ترك ممرات لرياح المغايرة التي لا تمس جوهر هذا الجنس الأدبي.

غلاف المجموعة القصصية "غرفة فرجينيا وولف" للقاصة المغربية لطيفة باقا (الجزيرة)
إبراهيم الحجري
 
تعد القاصة المغربية لطيفة باقا من الأصوات التي ظلت وفية لجنس القصة القصيرة، صامدة في حلبة هذا النوع السردي العصي، بالرغم من قدراتها التخييلية واللغوية التي تؤهلها للكتابة في أكثر من جنس واحد، وتعتبر باقا أن هذا الوفاء نوع من الالتزام مع الذات، والتعاقد الأخلاقي مع الجنس الأدبي.

وبقدر ما تصدم الكاتبة المغربية القارئ بخيالها الابتكاري ومقدرتها على سبر أعماق الإنسان المعاصر وتجديدها على مستوى القوالب السردية التي تصب فيها المحكي، بقدر ما ظلت حريصة على مورفولوجيا القصة ومقوماتها الأساسية، مع ترك ممرات سلسة لرياح المغايرة التي لا تمس جوهر هذا الجنس الأدبي.

فبعد مجموعاتها "ما الذي نفعله؟" (1992) و"منذ تلك الحياة" (2005) تبحر بنا باقا اتجاه غرفة فرجينيا وولف التي تسبر الأغوار العميقة للذات في منجزها القصصي الجديد الصادر عن دار توبقال تحت عنوان "غرفة فرجينيا وولف".

شخصيات المجموعة، وإن كانت تحتمي بطفولتها وماضيها من لفح الزمن المستعصي على القبض، فإنها لا تخفي ما عاشته من حرمان قاسٍ في صغرها

كتابة الذاكرة
تستوقف باقا في هذه المجموعة الزمن سرديا لتعانق مناطق الظل في الذاكرة هربا من جحيم الزمن الحالي، ذاك الذي يستأصل الأحلام، ويصادر اللحظات الجميلة بجوار الأهل والأحبة وبين أحضان الأمكنة الدافئة في ظل القيم الرفيعة التي ما عادت لها من رائحة في زمن يتكلس بالتدريج في المشاعر والذكريات.

تبدأ الكاتبة المغربية قصصها بالتوقف عند حدث سردي ليس جوهريا في حد ذاته، بل هو مجرد حافز فحسب للإبحار في الزمنين الماضي والمستقبل، قد يكون هذا الحافز حدثا أو شخصية أو مكانا يستفز المشاعر ويثير الذاكرة، لتنهال المشاهد على الذات غامضة حينا أو كابوسية أحيانا أخرى، لكنها في الغالب تكون مؤلمة ودرامية.

عندما يتعلق الأمر بالإبحار في الذاكرة والزمن الماضي، نكون إزاء لحظات حميمية مسترقة، تلوذ بها الذات من لظى الحاضر وغموض المستقبل، ولمّا يكون السفر استشرافيا، فإن الأمر يتعلق بالخوف من الأفق الغائم، والآتي المشوب بالعوارض السيئة مثل المرض والموت والشيخوخة.

ونلمس في المحكي تخوفا كبيرا للذات من عوائد الدهر، ومن آثار الشيخوخة على الجسد وعلى الحالة النفسية، خاصة بالنسبة للأنثى التي تربطها علاقة خاصة مع جسدها. إذ تقول الساردة متخيلة ذاتها في المستقبل "إنهم سيستأصلون رحمي، ومن بعده باقي أعضائي... ثديي... رجلي... كليتي... عرقوبي... عمودي الفقري... سوف أنسحب إذا، بالتقسيط..." ص42.

بصيغة أخرى، يمكن أن ننعت الكتابة القصصية هنا بأنها "كتابة الحنين"، فالرواة والشخصيات يحنون إلى زمن مستعاد، زمن التحلل من الالتزامات والتحرر من القيود والتمرد على قيم الكبار وإلى فضاءات الطفولة المرتبطة بلذة ما هيأها أشخاص غيبهم الموت أو النسيان أو الجنون، مما يجعل الذوات في المجموعة القصية ممزقة بين حياة منصرمة حبلى بالخسارات والنزوات، وحياة آتية مبهمة.

وتسعى الكاتبة هنا بغير مهادنة، إلى معانقة اللحظات الأسمى في الحياة، منشغلة بالتنقيب في شتات الأزمنة المفارقة عن أفق يستجمع كل مقومات لحظة الحلم لتغرق فيها وتنسى العالم الضاج بالفتن، والالتباسات المقرفة المبددة لجماله وروعته، وفي ذلك تقول "كان الحلم هو الإطار الوحيد الذي يمكننا فيه أن نقذف بعامل الزمن وبكل الحزازات الشخصية الغبية إلى الجحيم" ص.63.

وشخصيات المجموعة، وإن كانت تحتمي بطفولتها وماضيها من لفح الزمن المستعصي على القبض، فإنها لا تخفي ما عاشته من حرمان قاس في صغرها، ولا تخفي تذمرها من تنكر الآباء وتنكر الواقع والمجتمع.

وهي شخصيات بقدر ما تعرضت للظلم والقسوة في واقع لم يرحم هشاشتهم، باتت تقاتل للظفر بلحظة جميلة تستحق الحياة من أجلها وترقد في دفتر ذكرياتهم، لم تكن شخصيات المجموعة مذنبة، لكنها أيضا لم تكن سوية، لم تكن من الملائكة ولا من الشياطين.

استلهمت لطيفة باقا عالم فرجينيا وولف بذكاء، ووظفت سرديا أثر افتتانها بنصوصها على مشاعرها وذكرياتها مع الزمان والمكان والشخوص، مصممة بذلك صوتا منفلتا

استباق الشيخوخة
تكتبُ باقا محكيها، وهي منشدة إلى قضية المرأة، ليس على مستوى رد الفعل السطحي، بل على مستوى السؤال الأنطولوجي الذي لا يتعلق أصلا بالمفارقة بين الذكر والأنثى، السؤال الذي يصل الذات الأنثوية باعتبارها خصوصية إنسانية ملفتة، لها سياق بيولوجي متميز، وحاجات مختلفة، ونظام فيزيائي معقد يدخلها في دوامة من السجال مع الجوهر النفسي، ومع الجسد المتغير، ومع الإكراهات المحتملة التي تجعل من علاقاتها مع الآخر ومع العالم توترا دائما وملتبسا.

تقول الساردة متخوفة من المستقبل الوشيك "أقف أمام المرآة... أتفحص وجهي... أمرر أصابعي على تقاسيمه الأليفة، أتخيل هذا الوجه، وقد ضاعت ملامحه في فوضى الغضون والتجاعيد، أتخيلني، وقد انحنى ظهري، انكسرت عزيمتي، وذهب عني أبنائي..." ص. 49.

لكن الملفت في هذه التجربة، ولعله ما يميّزها عن سابقاتها، هو هذا الانشغال، الهاجس بالزمن المنفلت الذي يحصي أوراق شجرة العمر المتهالكة، في غفلة من الذات فتسوق الكاتبة، الأحاسيس المرهفة للمرأة، وهي تتفاجأ بذبول نضارتها، واضمحلال السحر الذي يغلف جسدها المتهاوي، وانفراط الرغبات وذرات الجمال، وحلول مكانه، لعنات الأمراض والضعف وأعطاب الشيخوخة الظالمة.

تقول الساردة "البرودة سوف تتفشّى يوما عن يوم أكثر في جسدي، وفي الغرفة... وفي علاقتي بالآخرين... برودة حقيقية. أرتعش من الخوف ومن الوحدة... أشعر أن جسدي مصاب بالموت... وأنه سيستقر قريبا داخل حفرة باردة" ص. 43.

استلهمت لطيفة باقا عالم فرجينيا وولف بذكاء، ووظفت سرديا أثر افتتانها بنصوصها على مشاعرها وذكرياتها مع الزمان والمكان والشخوص، مصممة بذلك صوتا منفلتا للكتابة، وللذات نكاية في الغياب، ونكاية في الموت.

المصدر : الجزيرة