من يدخل مقهى الشابندر الذي تأسس في بغداد عام 1917 يجد فيه عبقا خاصا يختلف عن جميع المقاهي البغدادية، كل ما في المقهى يشي بمفردات الزمن الجميل ويختزل عقودا من التاريخ وتحولاته.

مقهى الشابندر كان منذ تأسيسه مكانا أثيرا للمثقفين والسياسيين العراقيين (الجزيرة)
علاء يوسف-بغداد
 
من يدخل مقهى الشابندر الذي تأسس في بغداد عام 1917 يجد فيه عبقا خاصا يختلف عن جميع المقاهي البغدادية، فكل ما في المقهى يشي بمفردات الزمن الجميل ويختزل عقودا من التاريخ وتحولاته، ويستحضر الزائر مشاهير الأدب والثقافة والسياسة والإعلام، حيث كان المقهى فضاءهم البغدادي المفضل.

منذ تأسيسه كان المقهى تجمعا للسياسيين والمثقفين العراقيين ومنطلقا للمظاهرات التي يشهدها البلد في تلك الفترة المنددة بالاحتلال الإنجليزي وبعض المعاهدات التي أبرمتها حكومات العراق في ذلك الوقت. ويقع مقهى الشابندر (رئيس التجار بالتركية) في شارع المتنبي المتخصص في بيع الكتب وإقامة الفعاليات الثقافية والفنية.
 
مدخل مقهى الشابندر بشارع المتنبي بالعاصمة العراقية بغداد (الجزيرة)
تاريخ بغداد
يقول صاحب المقهى العريق محمد الخشالي إن مقهى الشابندر يختلف كثيرا عن المقاهي الأخرى، فهو بمثابة المنتدى الدائم للثقافة والفكر والفن والسياسة، بعيدا عن ألعاب التسلية التي تنتشر في المقاهي الأخرى، فأبوابه مفتوحة للجميع من الذين يريدون الاستفادة من الأدب والثقافة والسياسة.

وأضاف أن الصور المعلقة على جدران المقهى تمثل تراث بغداد الحافل بالإنجازات، وتضم رموزا وشخصيات أدبية وفنية، وتحفظ الأحداث السياسية التي شهدها البلد، مشيرا إلى أن الظروف الحالية التي يشهدها البلد جعلت بعض الفعاليات التي كانت تقام في المقهى غائبة مثل قراءة المقام العراقي.

وأوضح الخشالي أن الأحداث السياسية التي مر بها البلد في الزمن الماضي كمظاهرة التنديد بمعاهدة بورتسموث عام 1948، قد انطلقت من مقهى الشابندر.

وبنبرة حزن تحمل رثاء لماض جميل وذاكرة مترعة بالحنين مع لوعة الفقد الشخصي، تحدث الخشالي عن فقدانه خمسة من أبنائه بسبب التفجير الذي حصل في شارع المتنبي عام 2007 والذي أدى إلى تدمير 70% من المقهى.

يقول الرجل المفجوع في أبنائه وبوجع مستحكم في العراق "إن التفجيرات الإرهابية التي ضربت البلاد بعد عام 2003 لم يكن المتنبي بعيدا عنها، فهي محاولة لإيقاف عجلة الحياة والثقافة في البلد، خاصة أن مقهى الشابندر تعرض للدمار وأدى إلى استشهاد أربعة من أولادي وخامسهم حفيدي، ولكن قررنا إعادة المقهى إلى سابق عهده بالرغم من إطفاء نور أولادي فيه". 

مقهى الشابندر تضرر جراء تفجير 2007 بشارع المتنبي لكنه تم ترميمه (الجزيرة)

استراحة الثقافة والأدب
من جهته، يقول الشاعر كاظم عبد الله العبودي -أحد رواد مقهى الشابندر منذ النصف الثاني من القرن الماضي في حديثه للجزيرة نت- إن الشابندر يمثل استراحة وملتقى لأدباء العراق وبغداد على وجه الخصوص، وهو المكان الأثير للكتّاب والمفكرين وعلماء العراق، وعندما نأتي إليه نبحث عن الفكر والإبداع العراقي.

وأضاف أن المقهى كان مكانا لمخابز العثمانيين في فترة احتلالهم البلاد بسبب قربه من المواقع الحكومية، إلا أنه تحول إلى مقهى للأدب والكتب وحمل اسم مقهى الشابندر، وأوضح أن المقهى سيبقى موقعا للإبداع والمبدعين وخالدا مهما تعددت المقاهي في العراق.

وبين العبودي أن تأثير التحولات السياسية كان سلبيا على المقهى، لأن شارع المتنبي شهد -وما زال- نقاشات وتظاهرات خاصة في الوقت الحالي لأنه يزخر بأصحاب الفكر والمعارضين، وتبقى له نكهة خاصة بالرغم من وجود شارع أبو نواس ومقهى حسن عجمي ومقهى الزهاوي.

من جانبه، قال القاص علي الحديثي -أحد رواد مقهى الشابندر في حديثه للجزيرة نت- إن مقهى الشابندر مقصد للمثقفين العراقيين ومزار لكل من يفد إلى العاصمة العراقية، لأنه القلب النابض لبغداد وللثقافة العراقية والمكان المفضل لعدد من العقول النيرة والواعية التي لديها رؤية للتغيير وتطلعات لإنقاذ البلد من محنته.

وأضاف أن المقهى ترك بصمة واضحة في الثقافة العراقية، ويمثل صورة مصغرة عن العراق وعن بغداد بالتحديد لأنه يجمع كل الطوائف دون استثناء، وفي داخله تدور الحوارات والنقاشات البناءة التي تخدم البلد بعيدا عن التحزب والطائفية.

وأشار إلى أن السياسيين السابقين بالعراق كانوا يرتادونه، مثل رئيس الوزراء الأسبق نوري السعيد، وهو ما حول المكان تاريخيا إلى مكان مهم حتى على الصعيد السياسي، وما زال السياسيون يقصدونه إلى اليوم، لأنهم يعرفون أن هذا هو المكان الحقيقي للعقل العراقي.

وأوضح الحديثي أنه بعد التفجير الذي أصاب شارع المتنبي ومقهى الشابندر كان الهدف منه إسكات العقل العراقي، ولكن الثقافة العراقية تحدت وواجهت هذا الإجرام وعادت أقوى من السابق.

المصدر : الجزيرة