ترسم رواية "رجل متعدد الوجوه" للناقد والروائي المغربي إبراهيم الحجري مسار شخصية تكاد تكون نمطية في مجتمع النماذج الإنسانية الجديدة التي تجمع بين النجاح كمفهوم يقاس بالثروة والسلطة، والمرجعية الأخلاقية التي ينظر إليها كقيد معطل لمشاريع الصعود نحو القمة.

غلاف رواية "رجل متعدد الوجوه" للروائي والناقد المغربي إبراهيم الحجري (الجزيرة)
نزار الفراوي
 
ترسم رواية "رجل متعدد الوجوه" للناقد والروائي المغربي إبراهيم الحجري مسار شخصية تكاد تكون نمطية في مجتمع النماذج الإنسانية الجديدة التي تجمع بين النجاح كمفهوم مادي يقاس بمؤشرات الثروة والسلطة، وبين المرجعية الأخلاقية التي بات ينظر إليها كقيد معطل لمشاريع الصعود نحو القمة.

هي رواية تهافت القيم واكتساح سلوكيات الانتهازية والوصولية، رواية المسوخ التي تتناسل في المدينة بعد أن تنكسر أخلاق البادية في معترك تحقيق الذات وإشباع المطامح.

يحيل العنوان إلى تجربة ذات تحث السير نحو القمة بأقنعة تيسر إسقاط الآخرين في الشرك وتسخرهم بالخداع والأمل الموهوم في خدمة الهدف الذي تتغير تفاصيله، وإن تمحورت حول مداري المال والجاه.

تقدم الرواية نقدا لاذعا لطائفة من الأسر المحدثة الرفاه، المقطوعة الصلة بالتقاليد الراسخة في صناعة الثروة وثقافتها الاجتماعية الحافظة للتوازن

مسخ قيمي
قصة "ولد العزاوي" كما يكتبها إبراهيم الحجري متابعة سردية لمسارات شخصية مجتمعية حية يكاد القارئ يترجمها ذهنيا إلى نماذج بشرية واقعية، عايشها أو يعايشها في حيه أو قريته أو مؤسسته، على صعيد محلي أو وطني أو كوني أشمل، إنها سيرة ميكيافيلية بدوية تصنع مجدا ماليا وسياسيا بشعار "الغاية تبرر الوسيلة".

يقتفي الحجري أثر ولد العزاوي منذ خروجه من قريته فقيرا كجل أبنائها، وصولا إلى موته غنيا، لكن وحيدا بمستشفى باريسي، هجرة مكانية من القرية يصاحبها مسخ قيمي وأخلاقي على عتبات المدينة المتوحشة.

تقدم الرواية نقدا لاذعا لطائفة من الأسر المحدثة الرفاه، المقطوعة الصلة بالتقاليد الراسخة في صناعة الثروة وثقافتها الاجتماعية الحافظة للتوازن، إنها عائلات مفككة يعيش كل من أفرادها عالمه الأناني الخاص.

يمنح الكاتب بطله الذي يواجه قدر الموت بالسرطان ضميرا متكلما يتيح له خض مياه الأعماق وتملك التاريخ الشخصي، واسترجاع سيرة الآثام التي ارتكبها في حق نفسه وعائلته وقريته، تحايلا وخديعة.

في مقطع من سيرته المسترجعة يتأمل ولد العزاوي ذاته قائلا "لقد كنت شخصا عاديا جدا، بدون عقد, وعلمتني المدن الكبرى أن أكون متعدد الوجوه، إذ لا مكان فيها لمنفرد الوجه، كما أني قررت أن أضع أعصابي ذات ليلة قديمة في الثلاجة حتى لا أصدم فأصاب بداء السكري، وعلمني من تتلمذت على أيديهم أن من أراد أن يحسن وضعه ويصبح ثريا بعيدا عن أنفاق الفقر عليه أن يدوس بقدميه كل قيم النبل والصدق والصفاء التي تشبع بها في البادية".

رواية رجل متعدد الوجوه تحتفي بالحكاية في بساطتها، ما دامت الحكاية تملك سلطة إنتاج المعنى بلا إغراق في الصناعة

إنتاج التسلط
في المقابل، يرسم بضمير الغائب بورتريهات ديناميكية للمحيط العائلي القريب لولد العزاوي الذي يشيعه إلى نهايته بلا أسى أو تعاطف، زوجة استعاضت عنه بمتعة تحت الطلب مع السائق، ابن وابنة منكبان على نداءات جسد لا يشبع، قبل أن يمنح الراوي الكلمة لضحايا ولد العزاوي أو "الرئيس"، كما يلقب في قرية ملك قرارها وناسها.

عندئذ تتحول الرواية إلى مشهد محاكمة استرجاعية للرجل المريض، يكتب من خلالها أبناء قرية "سيدي سعيد" التاريخ الأسود للرجل الذي تاجر بأحلامهم.

على أن الحجري يقود نصه إلى نهاية ثانية ترتسم في المدى البعيد، ناسخة للنهاية المتمثلة في موت "الرئيس" موتا باردا عاريا من سلطة القهر والخديعة، فالقرية التي عاث فيها "الرئيس" فسادا واستغلالا تفسح مجالا لإقامة ضريح للرجل الذي يتحول إلى ولي، كما لو أن الذاكرة الجماعية تتواطأ لإعادة إنتاج نماذج التسلط والاستحواذ.

ويخلص الراوي إلى القول "قدر هذه القرية أن تموت ببطء على أيدي أهلها، فكل مرة يصعد شخص من أبنائها على ظهر البلدة، ويحمله الناس على أكتافهم مهللين، مكبرين، آملين أن يكون خلاصهم وخلاص القرية على أيديه..".

تحتفي رواية "رجل متعدد الوجوه" بالحكاية في بساطتها، ما دامت الحكاية تملك سلطة إنتاج المعنى بلا إغراق في الصناعة التي لا تخفى أسرارها على روائي هو أيضا وأساسا ناقد محنك، فقد حمى الحجري متن النص من التعقيد المجاني للأحداث والشخصيات والفضاءات، وأبدع نصا يجمع متعة الحكي وقوة البناء.

المصدر : الجزيرة