واجهت السينما التونسية منذ تسعينيات القرن الماضي اتهامات بأنها سينما نمطية وأسيرة مواضيع معينة في أغلبها سير ذاتية، وتتحرك في فضاءات حميمية خاصة، لتأتي موجة السينما الجديدة بعد الثورة، لتكسر هذه الصورة مقدمة مقاربات مختلفة وجريئة، بعضها بكاميرات نسائية.

لقطة من فيلم "النجاح" للمخرجة التونسية شيراز بوزيدي (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
واجهت السينما التونسية منذ تسعينيات القرن الماضي اتهامات بأنها سينما نمطية وأسيرة مواضيع معينة في أغلبها سير ذاتية، وتتحرك في فضاءات حميمية خاصة، مثل المدينة العتيقة والحمامات التركية، حتى جاءت موجة السينما الجديدة وسينما الشباب بعد الثورة، لتكسر هذه الصورة وتعيد الجمهور النافر إلى القاعات.
 
ورغم اختلاف النقاد في شأن القيمة الفنية للكثير من هذه الأفلام فإنهم لم يختلفوا في شأن ما فتحته أفلام الشباب من آفاق رحبة للسينما التونسية، مما يبشر بحساسية جديدة ناشئة يمكن لها أن تعيد للسينما التونسية ألقها لتتفاعل مع محيطها الاجتماعي والأدبي، بعد أن انحرفت عن أداء دورها التنويري واكتفائها بإرضاء الآخر الغربي -كما يرى البعض- الذي يستقبل تلك الأفلام أو الممول الحكومي الذي يسعده أن تتوجه السينما بأسئلتها بعيدا عن مجاله الحيوي فلا يصيبه منها نقد أو التفات.
 
ملصق فيلم "في بلاد قوقو"
للمخرجة لطيفة الدغري
(الجزيرة)
الكاميرا المؤنثة
ويمكن أن ينسحب هذا التصور على تفصيل آخر من السينما التونسية متمثلة في السينما النسائية التي ظلت إلى وقت قريب مع الرائدات من الجيل المؤسس سجينة مواضيع النسوية وحرية المرأة سواء مع مفيدة التلاتلي -على ما قدمته من قيمة فنية- في "صمت القصور" و"موسم الرجال"، إلى رجاء العماري في "الستار الأحمر" أو سلمى بكار في "رقصة النار"، أو كلثوم برناز في "كسوة الخيط الضائع" وغيرهم.

ويأتي الجيل الجديد من المخرجات التونسيات ليقتحمن مجاهل بكرا في سينما المرأة، ويتخلصن من هذه الأثقال ويحررن الكاميرا من السطوة النسوية، ويقدم بعضهن مواضيع اجتماعية وأخرى سياسية ويرتدن آفاقا جديدة، بعضها وثائقي وآخر روائي تخييلي.

وأبرزت تظاهرة "عيون خصبة" -التي انتظمت بالعاصمة التونسية- التوجه الجديد للكاميرا النسوية  من الجيل الجديد، وتم عرض أكثر من ثمانية أفلام بين قصيرة ومتوسطة لكل من ليلى بوزيد ولطيفة الدغري وكوثر بن هنية ونادية تويجر وأسمهان لحمر وألفة شقرون وشهرزاد بوزيدي.

وفي ندوة بالتظاهرة طرحت الكاتبة والمخرجة المسرحية نضال قيقة أسئلة كثيرة عن الغاية من تنظيم مثل هذه التظاهرات المحتفلة بالمخرجات، مؤكدة أن الظاهرة عادت من جديد للنقاش حتى في الدول الأوروبية، خاصة فرنسا للبحث عن مدى حضور المرأة في عالم صناعة الأفلام.

وذكرت قيقة أن الإحصائيات في فرنسا تشير إلى أن حضور المرأة في الإنتاج السينمائي لا يزيد على 12% من الناشطين بهذا القطاع، فعادة ما يتجه الرجال نحو الإخراج، بينما تتجه النساء إلى المونتاج والسكريبت وغيرها من الوظائف الثانوية في عالم صناعة الأفلام، وهذا يؤكد السطوة الذكورية على السينما في العالم برمته، كما تقول.

من جهته، أشار المخرج مراد بالشيخ إلى أن نسبة المخرجات في تونس تفوق20% من مجموع العاملين بمجال الإخراج، وهذه نسبة محترمة جدا، وهي أحد أسباب الحرص على إبراز هذا الجهد الفني للمخرجات من خلال التظاهرة.

قاربت مخرجات الجيل الجديد قضايا مختلفة للمجتمع التونسي المدني والريفي لتصل كاميرا المرأة إلى أعمق المناطق المهمشة في تونس

مقاربات جديدة
وبعيدا عن نمطية الطرح قاربت مخرجات الجيل الجديد قضايا مختلفة للمجتمع التونسي المدني والريفي لتصل كاميرا إلى أعمق المناطق المهمشة في تونس مع "نبّاشات" المزابل في قرية النجاح بولاية سليانة مع المخرجة شيراز البوزيدي في فيلمها "النجاح"، إلى الأنانية ومشاعر الجشع المجتمعي التي بث فيها النظام السابق من خلال فيلم نادية تويجر"الهفهوف"، وصولا إلى مشاكل تربية الأطفال مع فيلم "يد اللوح" لكوثر بن هنية.

ويناقش فيلم "في بلاد القوقو" للمخرجة لطيفة الدغري دور الأقليات في إقامة التنوع الثقافي الشعبي بتونس، ويذهب الفيلم بعيدا في تقصي أصول عائلة من الموسيقيين السود الذين يحيون حفلات الأعراس بجزيرة جربة لتكشف أنهم سلالة مغنيّة سوداء عنيدة تحدت المحظورات الذكورية وأرست هذا الفن الذي توارثته بعدها أحفادها.

أما المخرجة ألفة شقرون فقد اتجهت بفيلمها "حلق الوادي" إلى المهمشين والفقراء من صيادين وعاطلين وعمال المطاعم الصغيرة بهذه المنطقة من ضواحي العاصمة الذين تطاردهم لعنة الترحيل منذ العهد السابق إلى اليوم، لتقدم شهادات حية عن واقعهم المؤلم وأسئلتهم الحارقة عن موقعهم الآن من ثورة كان صوتها يعلو بأوضاعهم.

يروي الفيلم ما تعرضت له ضاحية حلق الوادي من محاولة للاستيلاء من طرف عائلة الرئيس المخلوع وأصهاره، مدعوما بشهادات من الأهالي عن تلك السنوات المريرة التي صمدوا فيها في وجه النظام المتغول الذي أراد أن يلتهم المنطقة ويستولي عليها.

أبانت تظاهرة "عيون خصبة" عن طاقات إخراجية نسائية مهمة جدا، لكنها في الوقت نفسه كشفت أن أزمة السيناريو ليست مأزقا في الأفلام الطويلة فقط بل وحتى في الأفلام القصيرة لإصرار أغلب المخرجات على كتابة أفلامهن بأنفسهن دون الاستعانة بكتّاب سيناريو، وهو إرث ذكوري لم تتخلص منه حتى السينما النسائية الجديدة في تونس.

المصدر : الجزيرة