تمتاز رواية "بابنوس" بلغة سردية شعرية مزينة باللهجة المحكية في إقليم دارفور، مسجلة أيضا أوضاع عمال التراحيل وحفلات الزار المنتشرة في أفريقيا عموما. أما شخوصها فكلها متخيلة، لكنها مرتكزة على طبيعة الإنسان هناك كتنوع العرق والعادات والتقاليد فيه.

غلاف رواية بابنوس (الجزيرة)

توفيق عابد-عمّان

تشير رواية "بابنوس" للروائية الأردنية سميحة خريس، للصراع السياسي القائم في إقليم دارفور السوداني.. أسبابه وبعض ملامحه، وتبرز الوجه البشع للحضارة الغربية التي ترتدي -وفق الرواية- قناعاً إنسانياً لإعادة عملية الرق مرة أخرى.

والرواية التي تقع في 278 صفحة والصادرة عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف ومكتبة كل شيء ضمن مشروع التفرغ الإبداعي الثقافي لوزارة الثقافة الأردنية، مهداة لروح الأديب السوداني المعروف الطيب صالح، وتكشف تكالب الظروف والفصائل المتمردة والجهات المختلفة على إنسان المنطقة الضعيف البريء المسحوق.

ويبدأ النص في دارفور المكان وينتهي في باريس مستنداً على واقعة حقيقية حدثت قبل أعوام عندما كشف السودان وتشاد عن عصابة تقوم بتهريب الأطفال من المنطقة وبيعهم في باريس.

وتمتاز الرواية بلغة سردية شعرية مزينة باللهجة المحكية في دارفور مسجلة أيضاً أوضاع عمال التراحيل وحفلات الزار المنتشرة في أفريقيا عموماً.

وأبرزت الكاتبة أنه وسط البلطجة والدماء والدموع هناك قصص حب جميلة تتفجر في منطقة مضطربة وفقيرة.

فهناك "مجنون تاجوج"، وهي قصة عشق على نمط قيس بن الملوح "قيس وليلى"، الذي غرق في الحب، لكن الحبيبة فضلت الهدايا والمال والجاه على حبه فأنشد:

سميحة خريس: روايتي تدور حول الحرية (الجزيرة)

نيران جوفي تسرج احترت كيف أطفيها
أسباب علتي ظبية العنس الحايرة معانيها
بنت الحور بلحمها وشحمها كذاب المشكك فيها
قال الترمذي في الحديث راويها

أبطال يعانون
وبحسب خريس فإن أبطالها يعانون من الحياة الصعبة والمرة والحلوة في الوقت ذاته. كما يعانون من الصراعات السياسية والعسكرية، في حين يكون الفصل الأخير للأطفال الذين خُطِفوا من دارفور وتحولوا لبيوت الدعارة، وهذا وجه آخر للرق بحسب الرواية.

وقالت في حديث خاص للجزيرة نت إن رواية "بابنوس"، وهي شجرة الأبنوس بلهجة سكان دارفور، تدور حول سؤال الحرية.

وأضافت أن فكرتها انبثقت عندما كانت تكتب رواية "يحيى"، حيث استوقفتها معلومات تاريخية تتحدث عن ظاهرة الرق كانت ستكون جزءاً من نسيج الرواية السابقة لكنها رأت أنها فائض لا تحتمله.

وتقول إنها تأملت في قضية الرق ووجدت ميلاً وقدرة على التصدي لها بسبب خلفية ثقافية متراكمة منذ سنين طويلة، لأنها درست في السودان، وتحديداً علم الاجتماع والأنثروبولوجيا مما ساعدها على فهم أوسع لطبيعة المجتمع، واكتشاف أن القضية ما زالت قائمة ولم تنته كما يخيل للإنسان المعاصر في منطقة ساخنة سياسياً وعسكرياً ومضطربة اقتصادياً وإنسانياً.

الإنسان.. ملعب الرواية
وأكملت خريس حديثها بالقول إن دارفور تشكل تحدياً كبيراً لمنطقة أفريقيا العربية، وفيها لون فاقع للتدخل الغربي والأطماع البشرية، وفيها تقاربات عجيبة بين الخير والشر والثواب تمثل مادة وافرة وغنية للروائي.

رضوان: بابنوس هي التاريخ المسكوت عنه (الجزيرة)

وتضيف أن التحدي الذي تصدت له اقتضى منها دراسة هذا المجتمع بتفاصيله، وبعث في خاطرها شخوصاً في موقع الجمال العالي، ووضعها أمام محك عندما تتواجه الإنسانيات مع المصالح والسياسات "لذا كان الجانب الإنساني هو ملعب الرواية".

أما شخوصها -والحديث لسميحة خريس- فكلها متخيلة لكنها مرتكزة على طبيعة الإنسان في دارفور كتنوع العرق والعادات والتقاليد فيه. تبدأ الرواية بامرأة تسمى" الرسّالة" وهو اسم شائع هناك، و"الحكّامة" وهي شاعرة وقاضية ومعلمة القرآن والرقص وضاربة الطبل والدف والمغنية وتدير الحرب والسلم.

وهذا الموقع الذي تحتله المرأة في دارفور ليس موجوداً في الثقافات العربية أو الأفريقية، فهي شخصية تخالف النمط الاجتماعي في أذهاننا.

سرقة الأطفال
الناقد والشاعر عبد الله رضوان يرى أن القيمة الحقيقية لرواية "بابنوس" تكمن في أنها تعيد إنتاج مقولة إن الرواية لم تعد مجرد أحداث وشخصيات، لكنها خطاب معرفي فني يقدم تأريخاً لمكان ما خلال فترة زمنية ما، وهو في الغالب تاريخ الشعوب المقهورة وليس تاريخ السادة، "أي أن الرواية تقدم التاريخ المسكوت عنه".

وقال في حديث خاص للجزيرة نت إن الرواية توجهنا إلى منطقة مشتعلة في السودان، "دارفور"، لتبدأ بتأسيس المكان الروائي والزمان الروائي والشخصيات الفنية عبر مجموعة من الأحداث المتتالية، لتقدم في الختام رؤية فنية تاريخية لجزء من الذي يحدث هناك.

ويقوم خطابها الروائي -وفق رضوان- على التعريف بدارفور جغرافيا وتاريخيا، ورصد الحدث التاريخي عبر تمثله بأحداث فنية جزئية ومركزية تتمثل بغزو "الجنجويد" لمنطقة "الخربقة"، وهي المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية.

كما يقوم على إنارة جوانب مهمة في قضية دارفور كموقف الحكومة المركزية ودعمها لجماعة الجنجويد ومتمردي دارفور بأطيافهم والجمعيات الغربية التي تدعي إنسانيتها وخدمتها للفقراء، لكنها واقعياً تعمل على استغلال كل شيء لما فيه مصلحة الدولة المستعمِرة ابتداء من الثروات وانتهاء بسرقة الأطفال وبيعهم في أوروبا، وخصوصاً فرنسا.

ومن حيث البناء الروائي، يرى رضوان أنه اعتمد أسلوب وجهات النظر، فعبر الشخصيات الرئيسة "الحكامة" و"بابكر" و" آدمو" و"بابنوس"، يتم تقديم الحدث من وجهة نظر الراوي البطل في كل فصل.

المصدر : الجزيرة