نشأت أفلام الجريمة في أوائل القرن العشرين، وفي كل مرحلة كانت هذه النوعية تصدم الجمهور وتربكه وتغضبه وترضيه أيضاً، بتقديم نافذة تطل على المجتمع المعاصر، وآليات عمل القانون والعدالة، وآخر التنويعات في مجال الخداع والقسوة.

مؤلفة كتاب "لقطات وطلقات في المرآة" نجحت في تأسيس منهج متكامل لدراسة أفلام الجريمة (الجزيرة)

بدر محمد بدر-القاهرة 

يقدم كتاب "لقطات وطلقات في المرآة.. أفلام الجريمة والمجتمع" دراسة تحليلية لأكثر من ثلاثمائة فيلم أميركي من أفلام العنف والجريمة، عبر مراحل مختلفة من تاريخ السينما، وذلك في محاولة للإجابة عن سؤال: هل هذه النوعية من الأفلام تعكس فقط مفاهيمنا عن الجريمة والمجرمين والعدالة والقانون، أم أنها أيضا تعيد تشكيل هذه المفاهيم ذاتها؟

ومؤلفة الكتاب "نيكول رافتر" تعمل أستاذة للقانون الجنائي في جامعة "نورث إيسترن" في ولاية ماساشوسيتس الأميركية، وقد نجحت في تأسيس أول منهج متكامل لدراسة أفلام الجريمة، ضمن إطار اجتماعي وقانوني واضح.

والكتاب صدر مؤخرا عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، ويتكون من ثمانية فصول تقع في 344 صفحة، تحت عناوين: تاريخ أفلام الجريمة/ لماذا أصبحوا أشرارا/ أفلام القتلة والسفاحين/ أفلام رجال الشرطة والمخبرين/ أفلام القانون الجنائي/ أفلام السجن والإعدام/ أبطال أفلام الجريمة/  أفلام الالتباس الأخلاقي.

إشباع متناقض
وتؤكد الباحثة رافتر أن أفلام الجريمة صنعت تقليديا نوعين من الحجج في آنٍ واحد؛ فهي من جانب تنتقد بعض أوجه المجتمع، مثل قسوة الشرطة أو عنف السجون أو الحواجز القانونية أمام تحقيق العدالة، وهي عادة ما تقوم بتشجيع المشاهد على التوحد مع شخصية البطل الشرير "الطيب" الذي يتحدى النظام والسلطة.

لأن أفلام الجريمة ترتبط على نحو واضح بالمعايير الاجتماعية والقيم والقواعد والممارسات اليومية، فإنها تعكس كل ذلك على مجتمع في حالة حركة دائمة، كما توحي على نحو أكثر وضوحا من أي نمط فيلمي آخر المواقف العميقة والمتميزة لثقافتنا تجاه الأخلاقيات وتجاه الدولة

لكنها من جانب آخر تساعدنا على التوحد أيضا مع شخصية تستعيد القانون والنظام في النهاية، حتى لو كان ذلك بعد عقاب البطل الشرير أو موته، أي أنها تتيح أنواعا متناقضة من الإشباع النفسي.

ويُعَرِّف الكتاب أفلام الجريمة بأنها "الأفلام التي تركز أساسا على الجريمة وعواقبها"، وهي تشكل مجموعة من الأنماط المختلفة؛ مثل أفلام اللصوص، والمخبر السري، والعصابات ورجال الشرطة، وغيرها.

وترى الكاتبة أن صور العنف في السينما لا تؤدي إلى الجريمة، لكنها تقدم سردا متاحا حول الجريمة والنزعة الإجرامية، والتي يدمجها المشاهدون في معتقداتهم حول الآليات التي تعمل في العالم.

لقد نشأت أفلام الجريمة مع بدايات هذا الفن في أوائل القرن العشرين، وفي كل مرحلة كانت هذه النوعية تصدم الجمهور وتربكه وتغضبه وترضيه أيضاً، بتقديم نافذة تطل على المجتمع المعاصر، وآليات عمل القانون والعدالة، وآخر التنويعات في مجال الخداع والقسوة.

ولأن أفلام الجريمة ترتبط على نحو واضح بالمعايير الاجتماعية والقيم والقواعد والممارسات اليومية، فإنها تعكس كل ذلك على مجتمع في حالة حركة دائمة، كما توحي على نحو أكثر وضوحاً من أي نمط فيلمي آخر المواقف العميقة والمتميزة لثقافتنا تجاه الأخلاقيات وتجاه الدولة.

إن أفلام الجريمة تعطينا القصص والسرد للتفكير حول طبيعة الجريمة وأسبابها ونتائجها، والكثير منها يتضمن نظرية في الجريمة، لكن أغلبها يقوم بذلك بشكل انتهازي، وليس من أجل الترويج لتفسير خاص.

إنها في النهاية تشكل جسرا يحتشد بالزحام في الاتجاهين بين "العالم الحقيقي" و"العالم الخيالي"، أو بين التجربة الاجتماعية وتفسيرها. 

التميع الأخلاقي
وتتوسع الباحثة في تحليل أكبر عدد من أفلام الجريمة بحثاً عن خيوط تميزها عبر المراحل الزمنية المختلفة، وصولاً إلى الحديث عن أفلام تؤكد عدم اليقين الأخلاقي، أي أن الأفلام التي تتحدث عن الجريمة عادة تفترض وجود إجماع اجتماعي حول ما هو صحيح وما هو خطأ، وحول الخطيئة والعقاب، لكن هذه الأفلام الحديثة تطرح عالما من "التميع الأخلاقي"، وهي تُنتَج حاليا بأعداد متزايدة!

وإذا كانت هذه الدراسة البحثية تناولت سينما الجريمة في المجتمع الأميركي، فالدعوة مفتوحة لنقاد السينما والباحثين لدراسة سينما الجريمة في المجتمع العربي والإسلامي، وتأثيرها على قيم وأخلاق وسلوكيات المجتمع، ومدى مسؤوليتها عن زيادة العنف من عدمه.

المصدر : الجزيرة