فرقة محسن للإنشاد الشعبي واحدة من عشرات الفرق الجوالة اليمنية التي تحترف الإنشاد، وتعرف بأسماء كثيرة تختلف من منطقة إلى أخرى، غير أن التسمية الشائعة لها (المداحون المتجولون) وهي فرق تجوب القرى والمدن اليمنية في رحلات مضنية.

فرقة محسن اليمنية للإنشاد الشعبي أثناء إحدى وصلاتها الإنشادية (الجزيرة)
عبد الغني المقرمي-صنعاء
 
"نحن نبهج الناس، وننقل تراث الآباء والأجداد، ونأخذ رزقنا"، بهذه العبارة البسيطة يقدم المنشد الشعبي اليمني محسن يحيى محسن تعريفا شافيا كافيا بفرقته الإنشادية للجزيرة نت، محددا منطلقها وأنشطتها وغاياتها، وفق ثلاثية: الفن والرسالة والعائد المادي.
 
وفرقة محسن هذه واحدة من عشرات الفرَق الجوالة اليمنية التي تحترف الإنشاد، وتعرف بأسماء كثيرة تختلف من منطقة إلى أخرى، غير أن التسمية الشائعة لها (المداحون المتجولون)، وهي فرق تجوب القرى والمدن اليمنية في رحلات مضنية.
 
يصفها محسن هذه الرحلات برحلات العناء والتعب، لكنها بحسب رأيه ضرورية لأنها باب من أبواب الله في طلب الرزق، ولبقاء هذا النوع من الفلكلور الشعبي حيا ومتجددا وحاضرا في حياة الناس، لأنه من أقدم الأشكال الإنشادية التي عرفها اليمنيون منذ مئات السنين.
 
المنشد محسن يحيى: الأشكال الفنية الأخرى ساهمت في تراجع هذا الفن الشعبي (الجزيرة)
تراث يتراجع
ويبدو محسن مؤمنا بحرفته إلى حد كبير، معتبرا نفسه امتدادا لأبيه الذي قضى عمره منشدا متجولا ووافته المنية في إحدى رحلاته الإنشادية، ويرى أنه وزوجته التي تشاركه الإنشاد معنيان كغيرهم من المنشدين بإقامة حلقات الإنشاد متى سنحت الفرصة.
 
يفترشان الأرض ويبدأ هو بالضرب على الطار (دف كبير مصنوع من الخشب والجلد)، فيتجمع الناس حولهم على شكل حلقة دائرية، ثم يحلو الإنشاد، ويبدأ الجمهور برمي الأوراق النقدية على رداء مبسوط لهذا الغرض، لتنتهي بذلك حفلة من الحفلات المستمرة على مدار اليوم.
 
وعن تجاوب الجمهور مع هذا النوع من الإنشاد يؤكد محسن أن هذا الفن ما يزال حاضرا في اهتمام الناس في القرى والمدن، لكنه يقر بأنه بدأ يتراجع بسبب بقائه على شكله التقليدي دون تجديد، ولوجود أشكال فنية أخرى تسيّدت الساحة وأعانتها على ذلك الوسائط التكنولوجية التي سهلت الحصول عليها ونسخها وتبادلها بشكل جميل وسريع وبكلفة مادية تكاد لا تُذكر.

ويشير محسن إلى أسباب أخرى أدت إلى تراجع فن المديح المتجول، ومنها تراجع السياحة الخارجية، وهي بطبيعة الحال أكثر تجاوبا مع مختلف الفنون الشعبية، وبينها حلقات المديح، ومنها أيضا عدم الاهتمام بهذا الفن من قبل الجهات المعنية.

ويشير في هذا الصدد إلى أن وزارة الثقافة خصصت مسرحا صغيرا مفتوحا في حي (باب اليمن) بصنعاء لحلقات المديح، غير أن هذا المسرح ضاع تحت "بسطات" الباعة المتجولين.

ويرى الشاعر أحمد المعرسي أن هذا الفن قديم قِدم الإنشاد في اليمن، وأنه ولد في الزوايا الصوفية كفنٍّ مصاحب لحلقات الذكر هناك، ثم انفصل عنها، وبدأت ملامحه تتشكل كحرفة فنية تعيش عليها الكثير من الأسر.

أحمد المعرسي: فن الإنشاد ولد في أحضان الزوايا الصوفية (الجزيرة)

وعظ وفن
ويؤكد المعرسي أن تحوله إلى فن متجول جاء تلبية للحاجة المادية للأسر المشتغلة به من جهة، ولوجود البعد السياسي حيث حرص عدد من الحكام في العهود الماضية على تحويل هذا الفن إلى رسائل دعائية لهم تصل إلى مختلف القرى والمدن.

ويضيف المعرسي -وهو باحث في الفلكلور الشعبي وأصدر في ذلك كتاب "نسمات من ريمة"- أنّ مواضيع النصوص الإنشادية في هذا الفن تتنوع تنوعا كبيرا، ما بين المذهبي والسياسي والوعظي والإرشادي، ومن أهم المواضيع الحاضرة قصص الأنبياء عليهم السلام: نوح ويوسف وإبراهيم، وأجزاء من السيرة النبوية، وسيرة الإمام علي بن أبي طالب، وسير عدد من الأئمة والملوك الذين حكموا اليمن في العهود الغابرة.

ومعظم النصوص -بحسب المعرسي- كتبت على اللهجات الشعبية، وفيها اختلاف واضح في المفردات والتراكيب، مما يدل على أنها ظهرت في مناطق يمنية مختلفة، وثمة نصوص فصحى داخلها التحوير والتحويل في أداء المنشدين حتى فقدت كثيرا من دلالاتها الفصيحة.

ويشير الشاعر اليمني إلى أن الجامع الذي يجمع كافة هذه النصوص هو عنصر المبالغة في نسب الخوارق إلى أبطالها وفق نظرية (المخلّص)، مما جعلها تخلط كثيرا بين الأحداث التاريخية والأساطير الخرافية.

أما الألحان التي تؤدى عليها هذه الأناشيد فهي بسيطة وسهلة ومتقاربة، ويتحايل كثير من المداحين في تغطية بعض العيوب اللحنية بالضرب القوي على دفوفهم، وخفض أصواتهم، لكن هذا الفن يبقى شكلا جميلا من أشكال الإنشاد المعروفة في عموم الساحة اليمنية.

المصدر : الجزيرة