اختارت الجزائرية هاجر قويدري بروايتها "نورس باشا"زمنا لم تتعود الرواية الجزائرية على أن تقتحمه، هو الزمن العثماني بالجزائر، رغم أن الأتراك أقاموا بالمشهد الجزائري ما بين 1518 و1830، وساهموا بإضافة ملامح جديدة إلى هويته المفتوحة.

غلاف رواية "نورس باشا" للجزائرية هاجر قويدري (الجزيرة)
عبد الرزاق بوكبة-الجزائر
 
اختارت الروائية الجزائرية هاجر قويدري زمنا لم تتعود الرواية الجزائرية على أن تقتحمه في روايتها "نورس باشا" هو الزمن العثماني في الجزائر، رغم أن الأتراك أقاموا في المشهد الجزائري ما بين 1518 و1830 للميلاد، وساهموا في إضافة ملامح جديدة إلى هويته المفتوحة.

وتقترح الروائية غرفة -رغم تعدد الفضاءات في الرواية- لاحتواء الحكاية، إشارة منها إلى أن التاريخ الجزائري غير متاح عفويا للكتابة أو الحديث عنه، إما تعتيما وإما مصادرة، وتعد فترة الحكم العثماني للجزائر من بين أكثر الفترات تعرضا لذلك.

على لسان "الضاوية" ندخل أزمنة وأمكنة مغلقة، لتنفتح أمامنا ذاكرة تصر على الهروب من النسيان/التناسي، وتصر "الضاوية" على الهروب منها، لكنها تلاحقها حتى في منامها، فهي هويتها التي لا تستطيع -رغم توغلها في البؤس- أن تتخلص منها، فقررت الانتقام بأن تحكيها.

لم يكن الزمن خطيا في الحكاية، فهو ينكسر ويتلوى وينفلت بشكل يضاعف من فضول القارئ، دون أن تضيع الإشارات، الخيوط الضرورية للفهم والمتابعة، وتلعب تقنية الاسترجاع (فلاش باك) دورا حاسما في ذلك، خاصة وأن الحكاية حكايتان في الوقت نفسه، حكاية ماضيها في بلدة "عزيز" وحكاية حاضرها في "الدزاير" الاسم الشعبي لمدينة الجزائر العاصمة.

ولا تدري الراوية في بعض الأحيان أي فضاء يشكل بديلا عن الآخر، في ظل تشابههما في استضافة الأوجاع والفشل في تحقيق الذات، فتختار الحكاية بديلا عن كليهما.

بقدر ما تثير اللغة التي كُتبت بها الرواية الإعجاب والتحليق في نفس القارئ، لشفافيتها وخلوها من الثرثرة الزائدة، ودقتها في رصد المشاهد والحالات، بقدر ما تثير التساؤل عن مبرراتها الموضوعية

خيبة مسافرة
تعترف الضاوية بأنها فتحت عينيها على يتم مقنع، فوالدها حي، لكنه اختار أن يترك أمها، ويهيم على وجهه للتعبد في الصحراء، ولم يكن زوج أمها بديلا عنه فسخرها للرعي، وفي المرعى توطدت علاقتها بالمسافات والأحلام البعيدة.

تلتقي في المرعى -وقد نضج الجسد، وبات يشكل عبئا عليها وعلى العائلة- أحد الفرسان فيغرقان في عشق مشترك من أول نظرة، ويحصل الزواج من أول ليلة، فمن يستطيع أن يرد رغبة الباش آغا "حمدان" شقيق الحاكم التركي في المنطقة؟

تعاملت "الضاوية" مع هذا الزواج من الباش آغا وانتقالها للعيش معه في بلدة "الداميات" على أنه فرصة ثمينة لتحقيق أحلامها، ومنها أن تعامل خارج صورة الراعية اليتيمة، غير أنها اكتشفت كونها خسرت مرعى حريتها، ودخلت سجنا كل من فيه يذيقها أصناف العذاب والإهانة، تحت إشراف "زينب" الزوجة الأولى للباش آغا.

يموت "حمدان" بسبب الطاعون الذي ضرب الجزائر سنة 1800، فتعود إلى بلدتها وقهر زوج الأم، مخلفة طفلها الوحيد "إبراهيم" في البيت الكبير للسلالة، ولا تجد حلا لهذا الوضع إلا الزواج من جديد.

ولاحقا يموت ولدها "إبراهيم" في عامه الثامن، فترث تركة أبيه، وحزنا جعلها تفكر في الموت أكثر من مرة، لكن الخادم المالطي "كونتونيوس" حرضها على أن تنتقل إلى البيت الذي تركه زوجها في مدينة الجزائر، وفتح لها أفقا جديدا للحلم.

لم تجلب معها إلى المدينة إلا ابنتها من الزواج الثاني وخادمها المالطي هروبا من الوجوه التي ارتبطت في ذاكرتها بالشقاء، لكنها تفاجأ قبل الوصول بأن الخادمة البكماء لحقت بها، وقد تعرضت للاغتصاب في الطريق، وهو ما يجعلها تلد طفلا أسمته "الضاوية" أيضا.

لم يكن الزمن خطيا في الحكاية، فهو ينكسر ويتلوى وينفلت، بشكل يضاعف من فضول القارئ، دون أن تضيع الإشارات/الخيوط الضرورية للفهم والمتابعة

توابل الرواية
تدخل الرواية -بدخول بطلتها إلى المدينة- مناخات وطقوسا وعادات مختلفة، وقد ركزت على صدمتها الأولى وهي تواجه فضاء لا تعرف فيه غير حلمها بحياة مختلفة، وخادمها الذي اكتشفت أنه حرضها على الاستقرار في المدينة، ليتمكن من سرقة مجوهراتها، ويعود إلى جزيرة مالطا التي اختطف منها، وبيع للجزائريين قبل ثلاثين عاما.

ظهر وعي الكاتبة بمفاصل متنها عميقا، لذلك فقد وفقت في تحيّن ما يمكن أن نسمّيه "الفرص السردية" لتمرير ما يحيط بحكاية "الضاوية" من مناخات اجتماعية وثقافية وسياسية، ومن ذلك أنها أدخلت قارئها إلى الجو السياسي السائد في جزائر ما قبل دخول الاستعمار بثلاثين عاما، من خلال زواج "الضاوية" بكاتب الداي مصطفى حاكم الجزائر.

لقد صارت قريبة من "بيت الحكم" وما يطبخ فيه من معاهدات ومؤامرات، منها تشنج العلاقة بين الباب العالي في إسطنبول وإقليم الجزائر، بسبب أن حكام هذا الأخير تقاعسوا في الحيلولة دون دخول نابليون إلى مصر، حفاظا على العلاقات المشتركة بين الطرفين، ونفوذ الجالية اليهودية مثل عائلة "بوشناق" التي أدت ثورة الشارع عليها إلى اختفاء غامض لزوج "الضاوية" لتبقى معلقة تماما مثل حكايتها.

وبقدر ما تثير اللغة التي كُتبت بها الرواية الإعجاب والتحليق في نفس القارئ، لشفافيتها وخلوها من الثرثرة الزائدة، ودقتها في رصد المشاهد والحالات، بقدر ما تثير التساؤل عن مبرراتها الموضوعية.

فهي تنتمي إلى زمن الروائية، لا إلى زمن الراوية، إذ لم يظهر من لغة ذاك الزمن شيء، والتي نقلتها لنا متون عديدة من تلك الفترة، منها رواية "حكاية العشاق في الحب والاشتياق" لمحمد بن إبراهيم.

المصدر : الجزيرة