العلاقة بين الرواية والمجتمع المدني تبدو لي علاقة قرابة من الدرجة الأولى، لكنها مغيبة أو غير واضحة تماما بسبب عدم الاهتمام المعروف بفن الرواية أو بالإبداع عموما بجميع أنواعه في العالم العربي.

أمير تاج السر
 
يعرف المجتمع المدني في كثير من الدراسات والمقالات -التي تناولت نشاطه- بأنه مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي ينشئها أفراد من داخل المجتمع الكلي، وتتحرك في المجال أو الحيز المتوافر بين الناس والدولة، أي بين المواطنين ومؤسسات الدولة الرسمية.

هذه التنظيمات التطوعية تنشأ في الغالب لتحقيق مصالح معينة أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير منبعها الاحترام والتسامح والمشاركة العامة، وليس بالضرورة أن تكون عدوا مطلقا للسلطة السياسية المهيمنة، وإنما مكملة لنشاط تلك السلطة، وسادة للثغرات التي تعجز السلطة عن سدها.
الروائي غير ملزم بالسير في الضوء، والخروج من خلف الظلال من أجل أن يكتب رواية، ولذلك فإن ما يلتقطه وحده بناء على ذلك يمكن أن يعادل ما تسعى هيئة طوعية كاملة لالتقاطه وتعديله

ومن أمثلة تلك التنظيمات أو الهيئات ما نجده من تنظيمات تقدم مواد الإغاثة للأماكن المنكوبة في العالم بفعل الفيضانات والزلازل والحروب وغيرها، وجمعيات أصدقاء مرضى الأمراض المزمنة مثل السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب، والتي تقدم إعانات وأدوية وتبحث عن متبرعين لزراعة الأعضاء، وتوفر جوا من الاهتمام العام بالمرضى، وهكذا في عديد من النشاطات نجد مثل تلك الجمعيات والهيئات.

أيضا من منظمات المجتمع المدني يمكن أن تضاف الجمعيات الخيرية والطرق الصوفية واتحادات الطلاب والهيئات النقابية غير التابعة للدولة. ومنظمات مناهضة التعذيب، ومناصرة قضايا المرأة، ومحاربة ختان البنات في الدول التي ما زالت تمارسه.

إذاً، نحن أمام سلطة أخرى تطوعية بجانب السلطة الرسمية المتمثلة في الدولة وأجهزتها، مع الفرق أن الأولى تخضع لقوانين تسنها السلطة الثانية، وربما تصطدم بها في كثير من النشاطات، وبالتالي فإن الثانية -أو الرسمية- لها صلاحية إلغاء كل نشاط للمجتمع المدني، حتى لو كان مثمرا إذا صادف وتعارض مع مصالحها.

هذا كله مفهوم، ويمكن استيعابه بسهولة، لكن في الحقيقة ما علاقة كل ذلك بالرواية؟ والرواية كما هو معلوم جنس أدبي خالص له مجيدوه وفتنته ونشاطه ومتابعوه، وهو من نتاج أفراد بالضرورة جزء من نسيج المجتمع ككل، والذي يضم بداخله مجتمعا سلطويا سياسيا، وآخر مدنيا طوعي النشاط.

وبما أن العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني في الغالب علاقة محايدة، يلتزم فيها المتطوعون بقوانين البلاد التي يعملون تحت مظلتها حتى لو كانت جائرة، ويعملون في نشاطهم الإنساني، فإن الرواية لا تبدو كذلك، فهي إما مناهضة صريحة للسلطة أو تسير في خطها أو تمسك بالعصا من المنتصف، بمعنى أن الرواية ليست ملزمة باتباع قانون ما، وإنما تكتب وفق ما يراه كاتبها وتثير ما تثيره بعد ذلك.

بعد كثير من التفكير واستعادة لأجواء روايات عديدة مررت بها في قراءاتي المتنوعة أو كتبتها شخصيا، أجد أن العلاقة بين الرواية والمجتمع المدني تبدو لي علاقة قرابة من الدرجة الأولى، لكنها مغيبة أو غير واضحة تماما بسبب عدم الاهتمام المعروف بفن الرواية أو بالإبداع عموما بجميع أنواعه في العالم العربي.

وإذا كانت بعض الأعمال الروائية قديما قد غيرت من وجه العالم وحرضت ضد الأنظمة، وحتى صاغت مفاهيم جديدة للحب والتهجد والحياة العامة، فإن لدينا من الروايات ما يفعل ذلك وأكثر لو تمت دراستها جيدا وتم تدريسها للطلاب، ولو تخلت أغلبية جماهير القراء عن صلفها في البحث عما هو أجنبي ومترجم، والتفتت لما يكتبه أهل الديار وأنصفته.

الرواية إذاً تقوم بالدور التنويري في المجتمع، كأي أداة ثقافية فاعلة حتى لو كان ذلك على المستوى النظري، وهي مصدر معلومات ثري يمكن أن تهتدي به أي هيئة تريد أن تهتدي فعلا، وهي بكل تأكيد مفتاح لا يصدأ، ويمكن أن يستخدم لفتح أبواب مغلقة وإلقاء نظرة لما خلفها، وبالتالي معالجة الخلل إن كان ثمة خلل موجودا.

إذا كانت بعض الأعمال الروائية قديما قد غيرت من وجه العالم وحرضت ضد الأنظمة، وحتى صاغت مفاهيم جديدة للحب والتهجد والحياة العامة، فإن لدينا من الروايات ما يفعل ذلك وأكثر

وكما قلت إن الروائي غير ملزم بالسير في الضوء، والخروج من خلف الظلال من أجل أن يكتب رواية، ولذلك فإن ما يلتقطه وحده بناء على ذلك يمكن أن يعادل ما تسعى هيئة طوعية كاملة لالتقاطه وتعديله.

والرواية مثلها مثل المجتمع المدني من ناحية السلمية المطلقة، واحترام الإنسان والسعي للارتقاء به، فقط كما قلت هي تعمل من ناحية تنويرية بحتة، بينما المجتمع المدني نشط وفاعل بمنظماته وهيئاته على الواقع، وقد يستفيد من قرابته بالرواية أو لا يستفيد منها على الإطلاق.

شيء آخر يمكن تعميمه على المجتمع المدني والرواية معا من دون أي مشكلة، وهو مسألة كشف المستور أو كشف المسكوت عنه كما يطلق على الخفايا في المجتمعات.

فالرواية بنبشها في المجتمع ككل، وسيرها في الأزقة والشوارع المهجورة وبيوت التعاسة والفقر، وسياحتها في العادات البالية التي ما زالت راسخة في المجتمعات الشعبية -مثل عادة ختان البنات- وعادات أخرى تتبع نهج الخرافة، مثل: الزار وزيارة القبور التي يعتقد بصلاح سكانها والتبرك بها، هي تؤدي واجب التنبيه، وتنوه بقصور السلطة عن التعاطي الصحيح مع المجتمع، وعدم اهتمامها بمداواة ما اعتل من جسده.

وهو الدور الذي تؤديه هيئات المجتمع المدني حين تهرع لترميم البيوت التي هدها مطر أو فيضان، وحين تنشئ مرافق لأجهزة غسيل الكلى، وحين تهتم بأرامل الحروب وتسعى لإسكانهن في بيوت لائقة، حين تتصدى للمجاعات وتوزع الأكل والشرب، هنا هي تؤدي واجب التنبيه أيضا، وكشف القصور الكبير في أجهزة السلطة، ولعل ذلك جزء من قرابتها الوثيقة بالرواية.

الشيء الذي أود إضافته أيضا هو ما يمكن اعتبار المجتمع المدني نفسه ونشاطاته المتعددة منبعا من منابع كتابة الرواية، فكما هو معروف إن الرواية تنبع من فكرة، وتتطور تلك الفكرة في ذهن الكاتب إن كان محظوظا أو كانت الفكرة مقنعة، لتمنح نصا في النهاية، ولأن نشاطات المجتمع المدني كثيرة ومتنوعة كما قلت، فالمتابع أو المتأمل لها يستطيع الحصول على أفكار كثيرة ويستثمرها.

أتذكر الآن أن والدي كان عضوا في هيئة اسمها "هيئة أصدقاء المرضى"، كانت مكونة من أفراد متطوعين، مهمتهم السعي لتوفير الدواء للمرضى الفقراء ومواساتهم، وبذل جهد للارتقاء برعايتهم داخل المستشفى الحكومي.

يمكن اعتبار المجتمع المدني نفسه ونشاطاته المتعددة منبعا من منابع كتابة الرواية، فكما هو معروف إن الرواية تنبع من فكرة، وتتطور تلك الفكرة في ذهن الكاتب إن كان محظوظا أو كانت الفكرة مقنعة

كنت أرى والدي وهو يركض في تلك المهمة الإضافية خارج عمله، يراسل محسنين من خارج البلاد لجلب الدعم، وينتشي حين تصل الحقن المضادة لمرض الالتهاب السحائي أو تطعيمات الحصبة والسعال الديكي من محسن يقيم في المملكة السعودية مثلا، وينتشي أكثر حين تصل تلك الأدوية واللقاحات للذين يحتاجونها.

كنت صغيرا في ذلك الوقت، لكني انتبهت لذلك العمل الطوعي وانحفر في ذهني، وحين كتبت روايتي "زحف النمل" بعد ذلك لم تفارقني صورة والدي وما كان يقدمه، وأنا أكتب باحثا مع شخصيات الرواية عن كلية بديلة لبطل الرواية للمغني "أحمد ذهب".

لقد كان ذلك النشاط موحيا بلا شك، أو لأقل واهبا فقرات أعتبرها متماسكة داخل ذلك النص، كذلك روايات أخرى لي مثل "العطر الفرنسي" و"مهر الصياح"، كنت فيها مهتديا بما أعرفه عن النشاط الطوعي، واستخدمته بقوة.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي كنت أعمل مفتشا طبيا في الحدود السودانية الإرتيرية -شرق السودان- وكنت بحكم منصبي ذلك عضوا في هيئة طوعية للإغاثة ليست تابعة للدولة، لكنها تسير تحت مظلة الدولة.

عن طريق تلك الهيئة أتيح لي أن أتوغل في الصحراء وأشاهد القحط جليا، وأساعد على إغاثة منكوبي الجفاف والجوع والزحف الصحراوي وشح المراعي للقبائل الرعوية، وكانت تلك التجربة أيضا من التجارب الثرية التي استوحيتها من ذلك النشاط، حيث كتبت حكايات "سيرة الوجع"، ورواية أخرى من البدايات اسمها "نار الزغاريد"، وفيها تعرضت لسيرة أحد موظفي الإغاثة، وكان يعمل في منظمة طوعية خارج البلاد، لكنها اضطلعت بمهمة إغاثة سكان تلك المنطقة.

كنت شاهدا حين جاء ألبرت راكبا شاحنة فرنسية الصنع وخلفه عشرات الشاحنات تحمل أطنانا من الإغاثة التي تشمل أشياء وأغذية ومعدات، لم تكن السلطة لتفكر فيها على الإطلاق، حتى لو كان ذلك في بلد ميسور الحال.

كان ألبرت يمارس نشاطه المجاني كجزء من منظومة المجتمع المدني التي تغيث، وفي الوقت نفسه يخترع وراءه حكايات وتفاعلات، تخترع بدورها رواية لكاتب كان حاضرا في ذلك اليوم. 
_______________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة