لم يعد الكتاب خير جليس للغالبية الساحقة من الفلسطينيين. فقد المكتبات روادها ووصلت مرحلة حرجة من الكساد في غذاء الفكر والروح، لذا يحذر مختصون من إغلاق كثير منها، ومزيد من النتائج السلبية في مستويات القراءة بين الفلسطينيين.

عوض الرجوب-رام الله

لم يعد الكتاب خير جليس للغالبية الساحقة من الفلسطينيين. ولأن المكتبات فقدت روادها ووصلت مرحلة حرجة من الكساد في غذاء الفكر والروح، يحذر مختصون من إغلاق كثير منها، ومزيد من النتائج السلبية في مستويات القراءة بين الفلسطينيين.

وتحتل الروايات المرتبة الأولى في نسب مبيعات الكتب بفلسطين، لكن كتبا فكرية كثيرة أخذت مجدها أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987، لا تجد من يشتريها بفعل عوامل سياسية واقتصادية عديدة.

وفضلا عن عامل عدم الاستقرار السياسي والانقسام، فإن الضائقة الاقتصادية وشيوع الإنترنت وانتشار القنوات الفضائية عوامل أخرى ساهمت -ولو بنسب محدودة- في تراجع القراءة ومبيعات الكتب في الأراضي المحتلة.

ويحيي الفلسطينيون في هذا اليوم من كل عام يوم الثقافة الوطنية، وفيه تقيم وزارة الثقافة الفلسطينية احتفالا مركزيا لاختيار شخصية العام الثقافية.

ووفق معطيات سابقة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن الذكور (فوق سن 18 عاما) ممن يقومون بالقراءة يقضون فقط 2.7% من أوقاتهم في القراءة بمختلف أشكالها، مقابل نسبة أعلى للإناث تبلغ 4.2%.

خضر البس: تراجع القراءة ملحوظ بين الطلبة والمثقفين والرواية الأكثر مبيعا (الجزيرة)

تردي المبيعات
ويؤكد مدير دار الشروق للنشر والتوزيع في رام الله (خضر البس) على تراجع القراءة في المجتمع الفلسطيني، بتراجع ملحوظ في شراء الكتب وارتياد المكتبات خاصة في العقدين الأخيرين، مؤكدا أنه قد تمر أيام دون أن يدخل مكتبته أحد.

ويقول في حديثه للجزيرة نت إن التراجع ملحوظ بين فئتي الطلبة والمثقفين، وإن طلبة الجامعات تحديدا لا يشترون الكتب إلا مضطرين، وغالبا يقومون بتصوير حاجتهم منها لأسباب مادية.

ويوضح الناشر الفلسطيني أن أكثر الكتب مبيعا حاليا -وإن كانت بأعداد قليلة- هي الكتب الأدبية وتحديدا الروايات العربية والمترجمة، تليها كتب الفكر والفلسفة، وقليل من الطلبة يشترون الكتب العلمية لأغراض أكاديمية.

واعتبر خضر البس أن عوامل اقتصادية تتعلق بغلاء المعيشة وتدني الدخول مع ارتفاع تكلفة استيراد الكتب، فضلا عن عدم الاستقرار السياسي، وتوجه الجامعات الفلسطينية لشراء احتياجاتها من الكتب من مكتبات خارجية، أدت إلى تراجع رواد المكتبات، لافتا إلى مشكلة تتعلق بانعدام حرية الاستيراد والتصدير، حيث يمنع الاحتلال استيراد الكتب من لبنان أو سوريا، مع أنه يسمح باستيرادها داخل إسرائيل.

وأشار إلى أن مبيعات الكتب في مجموع المكتبات الفلسطينية تقدر سنويا بالمئات فقط، في حين يطبع قرابة 250 كتابا محليا في العام.

وينتقد مدير دار الشروق الجهات الرسمية لما يراه غيابا لبرامج تشجيع القراءة سواء من قبل وزارة الثقافة ذات الميزانية المحدود جدا، أو وزارة التربية والتعليم، ويقول إنها تخصص في أحسن الأحوال 200 دولار في الفصل الواحد لمكتبات المدارس، التي بها مكتبات.

ويحذر من مستقبل قاتم للمكتبات والقراءة عموما بفلسطين. موضحا أنها تجارة لم تعد مجدية اقتصاديا، وأن النشاطات الثقافية الموازية التي تقوم بها مكتبته، رغم احتوائها على 35 ألف عنوان.

مكتبات الضفة تشكو مقاطعة زبائن الثقافة والقراءة (الجزيرة)

غياب الفكر
من جهته يشير مدير إحدى كبريات المكتبات الفلسطينية - فضل عدم ذكره- إلى تراجع كبير في مبيعات الكتب في السنوات الخمس الماضية، لافتا إلى جمود شبه كلي في مبيعات الكتب الفكرية والسياسية والدينية.

ويؤكد أنه باستثناء قدامى القراء تراجعت نسبة رواد المكتبات من المثقفين وأساتذة وطلبة الجامعات تراجعت بما لا يقل عن 70% في السنوات الأخيرة، مما يشير -حسب رأيه- إلى واقع صعب وغياب لتغذية الفكر بوسائل بديلة كالإنترنت أو حتى من دون تغذية بديلة.

ويلقي مدير المكتبة بالمسؤولية على الوضع الاقتصادي والوضع السياسي، وتحديدا الانقسام الفلسطيني وتراجع الحريات، مما أدى إلى تراجع التغذية السياسية من قبل الفصائل التي كانت تشتري الكتب لتوجيه عناصرها.

رسميا، يصف المدير العام بوزارة الثقافة يوسف الترتوري الإنتاج الفكري من الكتب محليا بأنه "جيد"، مشيرا إلى وجود كثير من المطبوعات في الخارج لكتاب فلسطينيين، لكنه مع ذلك يقر في حديثه للجزيرة نت "بتراجع عادة وسلوك القراءة كثيرا في الفترة الأخيرة، بحكم وسائل الإعلام المعاصر".

ويدافع عن دور وزارة الثقافة، موضحا أنها تولي قدرا كبيرا من الاهتمام بالقراءة والمكتبات، خاصة مكتبات الأطفال عبر المسابقات والبرامج الثقافية وغيرها.

المصدر : الجزيرة