أنطوان الدويهي: لبنان له روحه المستمدة من أرضه وطبيعته وتاريخه وهي من سينقذه (الجزيرة)
حاوره/ عبد الرزاق بوكبة
 
يراكم الروائي اللبناني أنطوان الدويهي تجربته السردية داخل معطى النوع لا الكم، لذلك فهو ينتمي إلى فئة الروائيين المقلين الذين يختفون أكثر مما يظهرون، ويبرر ذلك بكون النشر لا يعنيه أمام إغراء الكتابة نفسها.

ويعطي صاحب "عبور الركام" لطفولته -وما خلفته فيه من أسئلة- حيزا كبيرا فيما يكتب ويعيش، لأنها -بحسبه- منبع الإبداع الأول، والواقي من الموت بكل أشكاله، مؤكدا على أن روح لبنان المتجذرة في الحياة والحضارة هي التي تعصمه من الفناء.

وللدويهي علاقة خاصة مع الموت في متونه الروائية، وهو يرى أن الوعي بالموت أبشع من الموت نفسه، لذلك فقد لجأ إلى خلق علاقة خاصة مع مدينته "طرابلس" تجلت في روايته "حامل الوردة الأرجوانية" المصنفة ضمن القائمة الطويلة لبوكر العربية، والتي قال في جملة واحدة إنه ينتظر تصفياتها في صمت وهدوء.

الجزيرة نت حاورت أستاذ سيسيولوجيا الآداب والفنون في الجامعة اللبنانية أنطوان الدويهي، وحاولت أن تقترب من هواجسه وعوالمه في الكتابة والحياة.

علاقتك بطفولتك عميقة جدا، ولها تجلياتها في متونك، هل تخصصك في الأنثروبولوجيا  التي هي عودة إلى "طفولة سياقات تشكل الوعي والأنماط" أملى عليك هذا العمق؟

الرواية اللبنانية تلج المشهد الروائي العربي الواسع المتنوع، وتحمل إليه خصوصيات مجتمعها التعددي، المنفتح منذ زمن على الحداثة

- كلا، لا تأثير ألبتة للأنثروبولوجيا في ذلك، ولا لعِلم آخر، علاقتي بطفولتي مكون أساسي من شخصي الأعمق ومن جوهر ذاتي. سمعت مرة كاتبا معروفا يذكر في مقابلة له أن كتاباته لا علاقة لها بطفولته، التي أضحت بعيدة، ونائية عنه. أستغرب كثيرا مثل هذه النظرة، الطفولة هي نبع الإبداع.

بقدر ما يكون المرء قريبا من طفولته يكون شابا وحيّا وخلاقا. النأي عن الطفولة هو في صورة ما الموت الأول -كما قلت ذات مرة- في كل معانيه: الجسدية والنفسية والروحية والجمالية، في انتظار الموت الثاني.

ما علاقتك بالصمت؟ أنت من الكتاب المقلين، والمسافة بين إصدار وآخر قد تتعدّى سنوات؟

- في الحقيقة، كان يمكن ألا أنشر أبدا، أنا مهجوس بـ"الكتابة المطلقة"، أي محاولة الذهاب باللغة إلى أقصى حدود الإمكان في التعبير عن تلك اللحظات وتلك الحالات الأكثر غنى واتساعا من اللغة، أي لغة بما لا يقاس.

يمكن أن يقود ذلك إلى الصمت المطبق، إلى عدم النشر، وربما إلى عدم الكتابة. بقيتُ أكثر من خمسة وعشرين عاما أكتب، وأنا أعتقد أنها مجرد مسودات لما سوف أكتبه. حين نشرت "كتاب الحالة" عام 1993 -الذي يحتوي على جوهر عالمي الشعري- أرغمت نفسي في صورة ما على نشره.

في وجه عالم الاستبداد، يقف عالم جمالي لا قدرة للطاغية وأجهزته على إدراك أي شيء فيه، ولا التفاعل مع أي شيء منه

قلت لهذا الذي فيّ ما يأتي: "متى ستتحقق الكتابة المطلقة؟ ها قد مضى ربع قرن على ذلك، لننشر الآن بعض هذه الكتابات بعنوان "مقدمة لكتاب الحالة"، على أن نصل فيما بعد -لا أدري متى- إلى الكتابة المطلقة، فنسمي عندها الكتاب الثاني، "كتاب الحالة".

لكن قبيل صدور الكتاب، أقدمت على حذف كلمة "مقدّمة"، فكان "كتاب الحالة". مع أني أدركتُ حينئذٍ أن "الكتابة المطلقة" مجرد وهم، وأن ما أكتبه هو كتابتي وهو لغة نفسي، فأنا لم أتحرر تماماً من هذا الوهم، بعد "كتاب الحالة"، تجاوزتُ الحاجز.

من تصريحاتك "الحلاّج وليس الحجّاج من سينقذ العالم"، قياساً على مقولة دوستويفسكي "الجمال هو الذي سينقذ العالم"، من ينقذ لبنان: سياسيوه أم فنانوه في رأيك؟ 

- أجل، "الحلاج وليس الحجاج من سينقذ العالم". من ينقذ لبنان؟ سياسيوه لن ينقذوه، وهو أمر مؤكد، لا أدري إذا كان لفنانيه ومبدعيه القدرة على إنقاذه، وإن كان بعضهم يحتفظ له ببعض رونقه وجماله.

ما سينقذ لبنان هي روحه، لبنان له روح، مستمدة من أرضه وطبيعته، وتاريخه وموقعه يمثلان فوقه كرداء. وهي (الروح) وليس سواها من سينقذه.

روايتك "حامل الوردة الأرجوانية" هي مرافعة قوية لصالح الحرية، إدانة جمالية للسجن في تجلّياته جميعها، إلى أيّ حدّ تحررك كتابتك؟

- صحيح أنه في "حامل الوردة الأرجوانية" ليس الخير فقط هو نقيض الشر، بل الجمال أيضا. الجمال هو نقيضه الأمثل، في وجه عالم الاستبداد يقف عالم جمالي لا قدرة للطاغية وأجهزته على إدراك أي شيء فيه، ولا التفاعل مع أي شيء منه، ولا قدرة لهم على ولوجه قط، هم الذين يرفسون كل الأبواب ويستبيحون كل الأمكنة.

عالم طلسم لا يفقهون سره، ولا يعرفون سبيلا إلى مفتاحه، مثله مثل كدسة الرسائل المتبادلة بين الراوي وحبيبته آنّا في الرواية التي يحاكمونه على أساسها، ولا يفهمون منها شيئا. في هذا الحصن الجمالي الشاسع المضيء يتحرك سجين "حصن الميناء". لا شكّ في أنّ كتاباتي تحررني، وإلى حد بعيد. 
 

يعد الموت تيمة حاضرة في أعمالك، ومنها رواية "حامل الوردة الأرجوانية"، لماذا هذا الخيار؟
 

النأي عن الطفولة هو في صورة ما الموت الأول -كما قلتُ ذات مرة- في كل معانيه: الجسدية والنفسية والروحية والجمالية، في انتظار الموت الثاني

- يا ليته كان خيارا، لما كنا اخترناه، إنها أحوال الذات، في ما تحمله في أعماقها من نزعات وهواجس لا إرادة لها فيها ولا قرار. يصف الراوي تلك اللوحة الفلورنسية الباهرة بأنها "موكب انتصار مذهب ضد الموت"، ويقول السجين لرانيا همسا: "تحملين نفسكِ يا رانيا أحمالا ثقيلة تنوء تحتها الجبال، تبحثين عن نقاوة الشعور في هذه الذات المضطربة المتألمة الواعية لموتها، الماثلة أمام ظلمة الكون، التي هي ذاتنا البشرية"، الأرهب من الموت هو وعي الموت وهذا الجسد، الذي هو نقطة ضعف الذات البشرية الكبرى.

كيف تتجلى المدينة العربية الجديدة في الرواية العربية الجديدة (لك أن تتحفّظ على صفة "جديدة" في الحالتين)، وأنا أسألك هنا ليس بوصفك روائيا فقط، بل بصفتك متخصّصا في سوسيولوجيا الآداب والفنون أيضا؟

- سأتحدث عن تجربة عشتها واختبرتها، هي علاقتي بمدينة عربية هي طرابلس (طرابلس الشرق). تقع طرابلس على مقربة من مسقط رأسي في شمال لبنان، كانت هي أول مدينة عرفتها في حياتي، وقد تلقيت علومي ما قبل الجامعية في أحد معاهدها، قبل أن أنتقل إلى بيروت، ثم إلى باريس حيث أقمت ردحا طويلا من الزمن.

في كتبي الأربعة الأولى، الموضوع أساسها خلال هجرتي الباريسية، وإن نشرت في ما بعد في بيروت، لا حضور لطرابلس إلا في ما ندر، لكن لها في روايتَي الأخيرتين: "عبور الركام"، ثم "حامل الوردة الأرجوانية"، المكتوبتين بعد عودتي إلى البلاد واستقراري فيها منذ أواسط التسعينيات، لطرابلس حضور قوي.

الأرهب من الموت هو وعي الموت وهذا الجسد، الذي هو نقطة ضعف الذات البشرية الكبرى

نشأت بعد عودتي علاقة وثيقة مع طرابلس، خصوصا مع المدينة القديمة التي يغلب عليها الطابع المملوكي، الملتفة حول قلعة صنجيل، وخلفها في البعيد جبل لبنان المغطى بالثلوج، كما مع مدينة الميناء القديمة وشاطئها الجميل المفتوح واسعا على البحر المتوسّط. 
 
لم تعد بيروت هي بيروت في تغذية الثقافة العربية بأنساق جديدة في الفن والإبداع، هل توافق على هذا الحكم؟ وما موقع الرواية اللبنانية في المشهد الروائي العربي؟
 
- تلج الرواية اللبنانية المشهد الروائي العربي الواسع المتنوع، وتحمل إليه خصوصيات مجتمعها التعددي، المنفتح من زمان على الحداثة والعصر، الذي اختبر تجربة طويلة من الحريات، وتجربة طويلة من الصراعات والعنف، ومن الانتشار البشري ما وراء البحار، وهو يشق الآن طريقه الصعبة وسط تناقضات المنطقة واضطراباتها المستجدة المنعكسة عليه.
 
ها أنت في القائمة الطويلة لبوكر العربية في دورتها السابعة، كيف تمارس "حالة الترقب" لما تسفر عنه باقي التصفيات؟

- أنتظر ذلك بهدوء وصمت.

المصدر : الجزيرة