غلاف رواية "حامل الوردة الأرجوانية" للكاتب اللبناني أنطوان الدويهي (الجزيرة)
إبراهيم الحجري
 
إذا كان أغلب الروائيين ينطلقون في بناء عوالمهم الروائية استنادا إلى المحيط الخارجي الذي يمدهم بالمعطيات والمواد السردية، ومنه ينفذون كليا أو جزئيا إلى الذات، فإن أنطوان الدويهي يعتمد أساسا، على دواخله السيكولوجية وأعماقه الخبيئة، ومن خلالها يطل على العالم، مسقطا مشاعره ورؤاه على العوالم التي يشيدها روائيا، فتكون منبثقة عن تصور متكامل اتجاه الكون.

هذا ما فعله صاحب "عبور الركام" في كل أعماله الروائية، وبالخصوص في روايته "حامل الوردة الأرجوانية"، التي شخصت حالة نفسية واجتماعية للبطل المقهور بالاستبداد، مشكلة بذلك جزءا من مشروع فكري موسع يناهض من خلاله، كل أشكال الاستبداد والطغيان، وينتصر للحرية وللإنسان  بلا قيود.

تقوم رواية "حامل الوردة الأرجوانية" على قصة سجين مسالم يجهل أسباب اعتقاله، تتداخل فيها محكيات ثانوية حول الطفولة، والمهجر والعودة إلى الوطن، فضلا عن علاقة العشق المستحيل بين الرّاوي و"آنا"، ثم نشوء علاقة حب جديدة له مع "رانيا"، دون نسيان التأملات الباطنية شبه الفلسفية في الطبيعة والفن والأغوار السحيقة للذات.

ليس السجن الذي يسحق الإنسان مجرد أسوار وقيود مادية، بل هو فكر وسلوك ثقافيان يسكنان متخيل الناس، ويعششان في أدمغتهم، ويجعلانهم يتواطؤون -عن وعي- مع إستراتيجية الهيمنة التي ينهجها المستبدّ

ثقافة الاستبداد
تنتمي هذه الرواية إلى ما يُسمى بأدب السجون أو المعتقلات من حيث المضمون، ولو أن الروائي لا يعير اهتماما للقضايا والموضوعات، بل ينصرف انصرافا إلى ملامسة أسئلته الجوانية، ومكاشفة العوالم المعتمة في بواطنه.

وليست الرواية الأولى من نوعها التي تتناول هذا الموضوع، فقد سبق لروائيين آخرين أن تطرقوا في كتاباتهم لقضية السجون، وما يكتنفها من انتهاك لحرمة الإنسان وحقوقه، مثل عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم، وصلاح الوديع وغيرهم، لكن أنطوان الدويهي يختلف عنهم من حيث طبيعة هذا التناول وأسلوب صياغة العالم الروائي، ونظرة الذات إلى إشكالية فقدان الحرية.

فرواية "حامل الوردة الأرجوانية" توسع هذا المفهوم، وتمنحه دلالة كبرى، إذ ليس السجن الذي يسحق الإنسان مجرد أسوار وقيود مادية، بل هو فكر وسلوك ثقافيان يسكنان متخيل الناس، ويعششان في أدمغتهم، ويجعلانهم يتواطؤون -عن وعي- مع إستراتيجية الهيمنة التي ينهجها المستبدّ.

يتطابق الراوي الذي يسرد الأحداث بضمير المتكلم مع البطل الذي وقع عليه فعل الاستبداد، واستنادا إلى هذا التعالق، فالسير ذاتي يهيمن على النص، وهذا ينسجم مع التصور الفكري للكاتب الذي يروم، من خلال فعل الحكي، تسليط الضوء على العالم الجواني لا من أجل التطهر بالمعنى الأفلاطوني، بل من أجل الاحتجاج على العالم.

إذ تعلن الكتابة عن غايتها النضالية، من خلال الرغبة في تصفية الحسابات مع الذات المتواطئة مع الوضع عن طريق السكوت، ومع الفكر الاستبدادي بواسطة تشخيصه وتشريحه، ومع المستبد عن طريق فضحه والنيل منه على الأقل عبر فعل الكتابة.

وقد أثر توجه السرد إلى سبر أغوار الشخصية الرئيسة التي تقبع في سجن "حصن الميناء" على وضع الشخصيات في الرواية، فكان الراوي -الشخصية- محور العالم الروائي، في حين كانت كل الشخصيات الأخرى (آنا، لورا، رانيا)، مجرد معينات تضيء عالم البطل وتكشف معاناته الشخصية، مقارنا بين وضعه الحالي، ووضعه في المهجر.

واعتمد الكاتب -عن قصد- أسلوب الإضمار فيما يخص أسماء الأزمنة والأمكنة، مثلما غيب الصراع الديني والمذهبي، محيلا على رغبته في أن يرى عالما بدون تطرف ولا صراعات ولا دماء، عالما ينعم فيه الفرد بالحرية الشمولية، على غرار فرنسا التي عاش فيها حريته.

يتحكم في الرؤية الفكرية للرواية هاجسان يجثمان على نفسية الراوي: افتقاد الحرية، وتخريب الطبيعة، وهما عنصران متكاملان، لأنه لا حرية بدون اعتبار لقيمة الوجود الطبيعي الذي باختفائه، تغيب الحياة كلها

رواية المفارقات
يزخر المتن الروائي بالعديد من المفارقات الساخرة، ويقوم على أساس إضمار الصراعات المتعددة التي تفضي إليها مكاشفة النص، بمعنى أن هناك في خلفية النص، تحتدم -بشكل غيابي- أفكار وتصورات، لأن الكاتب بالرغم من اجتهاده في إخفاء درامية السجال العنيف داخل شخصيته التي تشف عنها شخصية الراوي، فإن التفاعل مع مشيرات المتخيل الروائي سرعان ما تفضح النغمة النقدية في الرواية، تلك التي تقابل، في استياء، بين حالة الذات المسالمة في الوطن (طرابلس زغرتا)، وحالتها في مهجر مبجل (فرنسا) التي عاش فيها الكاتب ردحا من الزمن، قبل أن يعود إلى وطنه الجريح (لبنان).

ومن المفارقات السجالية أيضا، نجد الصراع المرير بين الحرية والسلطة، هذه الثنائية تكاد تكون النواة الصلبة للرواية التي تدور في فلكها كافة الموضوعات الهامشية، دون أن ننسى العلاقة الضدية القائمة بين الخارجي والجواني، وباقي التقاطبات التي تحفل بها الرواية: (العنف- السلم)؛ (السلطة- التدبير)، (الشرق- الغرب)، (الطبيعة- الثقافة)، (الجمال- القبح).

وقد سخر الكاتب خبرته الفلسفية والأنثربولوجية لتطويع السجال الفكري داخل النص، وتذويبه فنيا في إطار اعترافات ومونولوغات وتداعيات ليكون مرآة تعكس قدرة الإنسان على استعادة كيانه المهدور وهويته الضائعة مهما كان حجم التّسلّط، ومهما تعددت أشكال القهر والتضييق.

تشكل الكتابة في حد ذاتها أفقا اختياريا اتخذه الراوي أداة شرسة لمقاومة الطاغوت، وتعويضا دلاليا عن عجز الذات في تحقيق التناغم مع القيم السائدة في مجتمعه.

ويتجلى البعد الفلسفي للسرد من خلال القدرة المفرطة للراوي على تفكيك عناصر الجمال في الطبيعة، وتحليل شخصية المستبد، والمستبد به، والظواهر المجتمعية المفارقة التي تُسهم في الإبقاء على الطغيان، ناهيك عن تفكيك الذاكرة، وقراءة الأرشيف السيكولوجي الشخصي، وإعادة ترتيب فوضى المشاعر، والسعي إلى إقامة علاقات جديدة مع العالم الخارجي بما فيه من زمكان وإنسان، والحرص على تطويع الزمن/التاريخ الاستعادي.

يتحكم في الرؤية الفكرية للرواية هاجسان يجثمان على نفسية الراوي: افتقاد الحرية وتخريب الطبيعة، وهما عنصران متكاملان، لأنه لا حرية بدون اعتبار لقيمة الوجود الطبيعي الذي باختفائه، تغيب الحياة كلها.

وتتناغم هذه الرؤية مع تطلع "الدويهي" إلى رؤية لبنان والعالم معا في أمن وأمان، بعيدا عن السلطة القهرية، وعن الصراعات الجاهلية، والتعصب الأعمى الذي يدمر الحياة بكل ما تحمل من ألوان الجمال.

وكأن السرد هنا هو دعوة إلى العالم لنبذ الشقاق والالتفاف حول الحياة الطبيعية للإنسان والقيم الكونية التي فطر عليها، والجوانب المشتركة بين البشر في كل المعمورة، مهما اختلفت لغاته ومعتقداته وثقافاته.

المصدر : الجزيرة