حاوره/ نزار الفراوي
 
الكتابة شغف حيوي عند الروائي المغربي يوسف فاضل، ولذلك فإن لحظة تحرره تتحقق بوصول المسودة إلى المطبعة، أما بعد ذلك فإن النجاح النقدي أو الجماهيري يسعده طبعا إن أتى، ولكنه لا يلتفت كثيرا لمصائر مؤلفاته.
 
يصر فاضل على نفي الطابع التاريخي لروايته "طائر أزرق نادر يحلق معي" -المرشحة ضمن القائمة الطويلة للبوكر- التي تتناول فصلا من تاريخ سياسي أليم عاشه المغرب. هو لا يقدم شهادة، بل يكتب تخييلا موضوعه واقع حصل. ويعتبر أن انجذابه إلى الهامش ليس إستراتيجية لاقتناص موضوع مثير، بل تلبية لصوت يسكنه، هو صوت الكائنات والفضاءات المنسية والمحجوبة.

يبدي  صاحب "قط أبيض جميل يسير معي" تحفظا على الرواية التي تكتب زمنا في ذروة تحولاته، فالنص في نظره بحاجة إلى مسافة من أجل نضج وتمكّن أكبر من التاريخ وانعطافاته. الجزيرة نت أجرت الحوار مع الكاتب المغربي، الذي حاز مؤخرا جائزة المغرب للكتاب في صنف الرواية، عن النص المرشح للبوكر.

بعد الإعلان عن القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية متضمنة روايتكم "طائر أزرق نادر يحلق معي"، جاء نبأ حصول هذه الرواية على جائزة المغرب للكتاب 2014، ما تعليقكم على هذا الاعتراف؟

- بالطبع يسعدني هذا الاعتراف من قبل المحفل الثقافي والأدبي الوطني. أنا ممتن لكل من يقدر أعمالي، لكني لا أخفيك أني لا ألتفت كثيرا إلى مصيرها. بوصول الكتاب إلى المطبعة أشعر أني تحررت من عبء ثقيل.

هذا يعني أنك لا تسعى إلى الجوائز الأدبية؟

مستوى تلقي النص الإبداعي من قبل النقاد أو الجمهور أمرٌ لا يدخل كثيرا في حساباتي. لقد اعتدت نسيان أعمالي بمجرد نشرها

- الكتابة هي هدفي وشغفي الأساسي. مستوى تلقي النص الإبداعي من قبل النقاد أو الجمهور أمر لا يدخل كثيرا في حساباتي. لقد اعتدت نسيان أعمالي بمجرد نشرها، حتى إني لا أعيد قراءة كتبي إطلاقا. وهذا لا يتنافى مع رغبتي في تحقيق النجاح والانتشار.

روايتكم المرشحة للبوكر تتناول جانبا من الذاكرة السياسية الأليمة التي عاشها المغرب بعناوين الاعتقال السري والاختفاء القسري وغيرهما، ما الذي حفزك على استرجاع هذه الصفحة روائيا؟

- هي فترة تاريخية هامة لا يمكن القفز عليها. كتب العديد من الناس حولها شهادات مؤلمة أثرت في شخصيا بشكل عميق، فحاصرني السؤال التالي: كيف يمكن أن نعايش هذه المرحلة التاريخية دون أن نوثقها إبداعيا ونتناول سيرتها من منظور التخييل الروائي.

رواية "طائر أزرق نادر يحلق معي" ليست الأولى التي تتناول ذاكرة ما يسمى بسنوات الجمر في المغرب. هل هو ركوب لموضة في الرواية المغربية؟

- ما كتب حول هذه الذاكرة السياسية شهادات عن أحداث وقعت. قرأت ما صدر عن "الضابط الرايس" و"أحمد المرزوقي" حول معتقل تازمامارت، وما كتبه "ماحي بينبين" وغيرها من سير من ذاقوا محن الاعتقال السياسي أو عانوا من آثاره من خلال أحد أقاربهم، لكنني كتبت شيئا مختلفا.

لم أقدم شهادة مؤرخ، بل نصا تخييليا صرفا ينصت إلى ألم مرحلة بكاملها. إنها شهادة الروائي على زمن مضى، والأمر يختلف من حيث الرؤية والأدوات، الرواية ليست تاريخا.

بغض النظر عن روايتكم المرشحة، مساركم الإبداعي مطبوع بانجذاب خاص إلى الهامش. ما سبب ذلك؟

الروائي يحتاج إلى مسافة لإنضاج الرؤية والتمكن من الموضوع السردي. والدليل أن النصوص التي تناولت تطورات ما يسمى بالربيع العربي وجدت نفسها متجاوزة بالتغيرات المتلاحقة

- ليس اختيارا ممنهجا. أنا أكتب عمّا أعرف أكثر، عما يشبع رغبتي في السرد وشغفي بالحكاية. أبحث عن مواضيع للكتابة فأجد نفسي في قلب أحداث تصنع شخصياتها وفضاءاتها.

الهامش هو صوت الكائنات والفضاءات المنسية والمحجوبة. هو عالم يتمخض في داخلي، وليس نزوعا إلى التميز في موضوع أو عالم روائي خاص.

على غرار سابقتها، صدرت رواية "طائر نادر أزرق يحلق معي" عن دار الآداب البيروتية. هذا يحيل إلى ظاهرة ملفتة في السنوات الأخيرة عنوانها هجرة جماعية للكتاب المغربي إلى دور النشر المشرقية. ما قصة هذا التوجه؟

- لا سر في ذلك. على سبيل المثال، نشرت رواية "أغمات" بالمغرب عام 1987. تصور، لقد أخبروني أن النسخ الألفين التي طبعت منها لم تنفذ إلا قبل عامين. سوق التداول الثقافي الوطني في المغرب محدود جدا.

النشر في دار كبرى في بيروت مثلا يمنحك إمكانية الارتحال رفقة كتابك عبر فضاءات ثقافية واسعة في العالم العربي، كما أن الإطار الاحترافي لعملية النشر والجودة المهنية يحفزان على هذا الاختيار، الذي شجعني عليه في البداية الناقد المغربي محمد برادة.

ماذا عن علاقة الرواية بزمن الكاتب؟ هل تشكل التحولات المتسارعة والضخمة سياسيا واجتماعيا فرصة للمبدع أو إكراها ضاغطا عليه في إيجاد موضوع نصه؟

- أنا لا أثق في الكتابة عن الزمن المتحول. نحتاج إلى أمد طويل لتناول التحولات والمستجدات، فالأحداث المفصلية في حياة المجتمعات تختمر في عقود وليس في شهور أو سنوات معدودات.

لم أقدم شهادة مؤرخ بل نصا تخييليا صرفا ينصت إلى ألم مرحلة بكاملها. إنها شهادة الروائي على زمن مضى، والأمر يختلف من حيث الرؤية والأدوات

الروائي يحتاج إلى مسافة لإنضاج الرؤية والتمكن من الموضوع السردي. والدليل أن النصوص التي تناولت تطورات ما يسمى بالربيع العربي وجدت نفسها متجاوزة بالتغيرات المتلاحقة.

إلى جانب الرواية، اشتغلت كثيرا على واجهة الكتابة للمسرح والسينما. هل أفادك العنصر المشهدي الحاضر بقوة في هذين الحقلين في تطوير مشروعك الروائي؟

- أعتقد ذلك، ولو بشكل غير مباشر وغير واع. في تقطيع المشاهد، في تبويب مقاطع النص، في تدقيق لغة الحوار وضبط امتداده، أعتقد أن ممارستي الطويلة للمسرح قد تكون أفادتني، خصوصا من جهة تأكيد الحضور القوي للشخصيات، التي تجد نفسها على الركح على مقربة خطيرة من الجمهور.

أية مشاريع إبداعية جديدة يعمل عليها يوسف فاضل؟


- أنا بصدد الاشتغال على رواية جديدة أتمنى إنهاءها قبل نهاية السنة الجارية. كما أواصل العمل  على إخراج فيلم سينمائي طويل.

المصدر : الجزيرة