تشكل مصر في كتابات إبراهيم عبد المجيد مركز الكون المتخيل، وهو لا يكتب أحداثا ووقائع وشخصيات، بل يصمم عالما إنسانيا ضاجا بالمتناقضات، حافلا بالظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويستحدث عالما متخيلا يجسد أحلامه، وأفكاره ومواقفه من العالم.

إبراهيم عبد المجيد: دراسة الفلسفة أفادتني كثيرا في فهم قضايا الكون وعلاقته بالإنسان (الجزيرة)
حاوره/إبراهيم الحجري
 
راكم الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد تجربة روائية غنية، زاد من ثرائها استيعابه الكبير للعالم المصري، وخبرته العميقة بالفضاءات وتحولات الإنسان أثناء نصف قرن، وتخصصه الفلسفي، ناهيك عن عمله في الثقافة الجماهيرية، واطلاعه الواسع على التاريخين الخاص والعام، ومعايشته للقاع المصري، وجمعه بين المسرح والصحافة والدراما.
 
تشكل مصر في كتاباته مركز الكون المتخيل، وهو لا يكتب أحداثا ووقائع وشخصيات، بل يصمم عالما إنسانيا ضاجا بالمتناقضات، حافلا بالظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولا يكتفي في كل ذلك بالتصوير والتوصيف، بل يستحدث عالما متخيلا يجسد أحلامه، وأفكاره ومواقفه من العالم.
 
يشعر قارئ رواياته بأنه داخل النص يلج في عوالم بشرية واقعية يعيشها بألم ومتعة، ويتفاعل مع خصوصياتها بمشاعر متفاوتة.. إن ارتياد عوالمه التخييلية يعتبر رحلات محفوفة بالحساسيات والمفارقات، لا يملك المتلقي-الرحالة فيها إلا أن يجعل نفسه جزءا من مكوناتها.
 
أنا أكتب جرحي وهمّي ولا أشغل نفسي بتفكير مسبق، أنا رأيت الإسكندرية مدينة العالم في طفولتي ورأيتها تخرج منه إلى العصور الوسطى، عبر سنوات طويلة لذلك كانت كتاباتي
الجزيرة نت التقت عبد المجيد على هامش ترشح روايته "الإسكندرية في غيمة" لجائزة البوكر، وأجرت معه الحوار التالي بشأن تجربته الروائية، وبشأن ثلاثية الإسكندرية، وبشأن انشغالاته الأخرى، وبشأن ترشحه للبوكر:  

تتوافرون على تكوين أكاديمي في الفلسفة، هل كان للفلسفة بصمتها في كتاباتك الروائية والسردية عموما، خاصة في ما يتعلق بتصميم الشخوص واستغوار دواخلها، وتصوير تفاعلاتها الاجتماعية؟

- دراسة الفلسفة أفادتني كثيرا في فهم قضايا الكون وعلاقة الإنسان مع المكان والزمان والبشر، لكنها حين تظهر لا تكون حوارا في هذه المسائل، لكنّ مواقف وأحداثا قد لا يعرف صاحبها أنها رؤى فلسفية.

ومن ثم قد تجد الانتظار بلا نهاية في بعض المواقف أو العلاقات التي لا تصل إلى نتيجة، أو المغامرة قد تكون في لا شيء وبلا جدوى، ويكون أصحابها سعداء بما يفعلون، ويحدث لهم ذلك دون إدراك لما وراءه من احتمالات.

وباختصار، كل أعمالي تقريبا تصور محاولات الإنسان للخروج من المأساة، لكن لا يستطيع لأن ما حوله أكبر منه، رحلة المقاومة أو الأمل تشكل العمل الفني فيكون جميلا.

كتبت القصة مثلما كتبت الرواية، لكن تراكمك في الأخيرة أفضل، هل تعتقد أنه زمن الرواية بامتياز؟

- طبعا هو زمن الرواية بامتياز، وعلى الرغم من ذلك فأنا حزين من ابتعاد القارئ عن القصة القصيرة والشعر، إن القصة القصيرة فن عظيم، لكن هي الأيام كما نداولها بين الناس نداولها بين الفنون.

كثير من الشعراء والقصاصين بدؤوا ينزحون اتجاه كتابة الرواية، ومنهم من فاز بالبوكر مثل محمد الأشعري، كيف تفسر هذه الظاهرة؟

غلاف رواية "الإسكندرية في غيمة" (الجزيرة)

- هذا طبعا بسبب ما قلت إنه زمن الرواية، وفي السنوات القادمة سيزداد بسبب كثرة الجوائز التي تمنح للرواية أيضا، وقد سمعت أخيرا أن هناك جائزة جديدة في قطر بمبالغ نقدية أكبر من كل الجوائز، وربنا يستر لا نبحث عن شاعر أو كاتب قصة قصيرة في الكهوف. وبالمناسبة، العزيز محمد الأشعري كتب رواية قبل رواية البوكر بسنوات، أي لم تكن هذه روايته الأولى.

أعمالك الروائية، ومنها "ثلاثية الإسكندرية" تسلط  الضوء على المجتمع المصري والمنعطفات المصيرية التي عرفها القرن العشرون، هل تعتقد أنك تكتب روائيا تاريخ مصر الذي انفلت من المؤرخين وضاع منهم، أو بالأحرى لا يستطيعون كتابته؟ وما الحدود الفاصلة بين تخييل الرواية وتخييل التاريخ في أعمالك؟

- أنا أكتب جرحي وهمّي، ولا أشغل نفسي بتفكير مسبق، أنا رأيت الإسكندرية مدينة العالم في طفولتي ورأيتها تخرج منه إلى العصور الوسطى عبر سنوات طويلة لذلك كانت كتاباتي. أما الفرق بين الرواية والتاريخ، فالرواية تخييل، لكن التاريخ حقائق ووجهات نظر، وتحليل واضح للمؤرخين.

لا أحب العودة إلى التاريخ لتفسيره وفقا للرؤى السياسية للحاضر، فالرؤى السياسية تتغير، كما أن من أكتب عنهم من زعماء أو بشر قد ماتوا، ولم يعرفوا ما يحدث الآن، فلماذا أخرجهم من مقابرهم وأحملهم افكاري كما يفعل البعض، هذا حرام.

هم أبناء عصرهم، ومهمتي بقدر الإمكان أن آخذ القارئ إلى عصرهم في حياة حقيقية، ومن أراد أن يستخرج العبر أو يعيد التفسير من القراء فليفعل هو، والأمر متروك له، الأهم هو أن أجعله يعيش مع زمن ومكان وشخصيات روايتي ويستمتع بها.

بما أنك اهتممت روائيا بتاريخ مصر طوال نصف قرن، هل كنت تخمّن ما سيحدث الآن من تحولات؟ أم أن التغيرات المجتمعية الجارفة تباغت الروائي مثلما تفاجئ السوسيولوجيين وعلماء السياسة والاقتصاد..؟

- حقيقة كنا نعرف إلى أين تنتهي الأمور، ليس بالتفصيل طبعا، لكن بشكل عام، كان الرهان على أن تخرج مصر من سياقها التاريخي قاسيا ومحكوما عليه بالفشل، فهي دولة نيلية، كانت من أول الزمان، دولة لا تعرف الطوائف ولا الحروب الطائفية.

ماذا يعني لك الترشح للمنافسة على البوكر؟ وما الإضافة التي يمكن أن تمنحها الجائزة لتجربتك الروائية، ولثلاثية الإسكندرية على الخصوص؟

لا أحب العودة إلى التاريخ لتفسيره وفقا للرؤى السياسية للحاضر، فالرؤى السياسية تتغير كما أن من أكتب عنهم من زعماء أو بشر قد ماتوا، ولم يعرفوا ما يحدث الآن، فلماذا أخرجهم من مقابرهم وأحملهم أفكاري كما يفعل البعض؟

- لا تلمني، لا أحب أن أتكلم عن الجوائز حين أكون طرفا فيها.

"الإسكندرية في غيمة"، لماذا هذا العنوان الاستعاري؟ هل هو نص موازٍ يثري العمل أم هو منبثق عنه وتكثيف لدلالته؟

- من يقرأ الرواية سيعرف غرام أحد أبطالها -الشاعر نادر- وعشقه بماياكوفسكي، وبقصيدته غيمة في سروال، كان ماياكوفسكي يقصد بها نفسه الزائلة، والرواية كلها صراع للإمساك بتاريخ الإسكندرية العظيم قبل أن يضيع أمام صيحات الجهل التي زادت، ومن ثم فالأبطال متفائلون، ويعتبرون أن ما يحدث غيمة وستزول.

كتبت ملحمة ثلاثية عن الإسكندرية، وجعلت منها مركزا لعالم روائي عميق وشاسع، هل يعدّ هذا العمل نوعا من النوستالجيا مع مكان له موقع خاص في وجدانك أم أن الإسكندرية هي اختصار لمصر، وبعدها العالم ككل؟

- النوستالجيا لم تعد حالة نفسية للأسف، لكنها حقائق ضائعة تثير الأسى، لقد ضاعت المدن العظيمة أمام العشوائيات والجهل والمال، ما جرى على الإسكندرية جرى على مصر كلها، لكن الإسكندرية موطني الأول، فضلا عن أنها كانت عاصمة الدنيا لسبعة قرون.

تغلب على شخصياتك طباع الخيبات المتزامنة مع صراع إيديولوجي ساحق على الرغم من إصرارهم على حب الحياة والدفاع عن المكتسبات في مرحلة مفصلية من تاريخ مصر، كيف كنت تصمم هذه الشخوص؟ وما الحدود فيها بين المرجعي والمتخيل؟

- المرجعي هو حياتي وما رأيت ودراساتي وما استوعبت، والخيال هو العمل الروائي، حين تكتب رواية فإن الشخصيات تحتل المساحة الكبرى في تشكيلها إلى درجة أن الكاتب يتصور أنه يمشي بها، والحقيقة أنها هي التي تمشي به وتصنع مصائرها، هذا صراع جميل بين الكاتب والشخصيات.

تعاملت في تصميم عوالم هذه الملحمة الإسكندرانية مع أرشيف كبير، حدثنا عن الصعوبات التي يجدها الروائي وهو يشتغل على أرشيف معين لإنتاج نص متخيل؟

الدراما التلفزيونية كانت تجربة جميلة، لكن الرواية تجذبني أكثر، لأنني أكون وحدي من البداية إلى النهاية، لا يناقشني ناشر- مثلا- في ما أفعل، ولا تتدخل رقابة في جنوني
- لم أجد صعوبات لأني كنت أحب ما أفعل، لذلك أنفقت سنوات طويلة، ليس في الرجوع إلى الصحف، ولا في قراءة الكتب فقط، لكن أيضا في زيارة الأماكن التي ضاع الكثير منها، وزيارة الأماكن الباقية التي افتقدت ملامحها الأصلية، لقد كانت -بحق- رحلات جميلة عبر الذاكرة والطفولة والحلم.

ما الذي يمكن أن تقدمه الرواية كإنتاج رمزي للعالم العربي الجريح الآن في هذه اللحظات التاريخية الدقيقة، علما أن كولن ولسن سبق أن أقر بأن الحضارة الأوروبية مدينة في تحولاتها الكبرى للعمل الروائي أكثر مما كانت مدينة لماركس وستالين ولينين وغيرهم من الساسة والمنظرين السياسيين؟

- أنا مع كولن ويلسون، ومن الذين تأثروا به مبكرا، واللامنتمون هم الصناع الحقيقيون للحياة، الرواية تصنع تأثيرها في الغياب، وتترك بصمتها في القيم الكامنة في اللاوعي، في حين أن المنتمين يصنعون تغييرهم في الضوضاء، وأحيانا بالقهر.

اخترت مسارا آخر يعزز تجربتك السردية، وهو مجال الدراما التلفزيونية، ما الذي قدمته تجربتك في الكتابة السردية (رواية وقصة) لمسارك في الدراما، وما الذي قدمه اختيارك الجديد من إضافات إلى كتابتك الروائية؟

- كانت تجربة مهمة في مساري، وأنا مؤمن بأن الكاتب يحق له التجريب في كل شيء، لكن في الحقيقة وجدت هذا المجال صعبا، لأنني لا أكون الشخص الوحيد فيه، فهناك كثيرون لهم دور يؤدونه في العمل الدرامي.

صحيح كانت تجربة الدراما التلفزيونية جميلة، لكن الرواية تجذبني أكثر، لأنني أكون وحدي من البداية إلى النهاية، لا يناقشني ناشر- مثلا- في ما أفعل، ولا تتدخل رقابة في جنوني.

المصدر : الجزيرة