يوسف زيدان يدعو المثقفين لمهادنة السلطة (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمّان

دعا الروائي المصري يوسف زيدان المثقفين إلى عدم الصدام مع السلطة. وقال إن العلاقة بين المثقف والسلطة ليس بالضرورة أن تكون صدامية فليس هناك خصام بين السلطتين السياسية والثقافة، بل يجب أن يتناغما بشروط، أهمها التأثير الإيجابي للمثقف وموضوعيته، فكثير من الكتاب يكتبون دون قراءة ورغم ذلك يستظلون بمظلة الإبداع.

وفي أمسية ثقافية نظمها -الاثنين- منتدى عبد الحميد شومان بالعاصمة الأردنية عمّان بعنوان "أثر المثقف العربي في ضوء الوقائع المتسارعة" أكد أنه ليس دور المثقف العربي حل القضايا بل المساهمة بتطوير مجتمعه بشكل هامس، والارتقاء بالذوق العام وتعليم الناس طريقة التفكير والمهم ألا يبيع المثقف قلمه أو يبتذل نفسه.

صدام سلطتين
وخاطب زيدان نخبة من المثقفين والسياسيين وطلبة الجامعات بقوله إن الصدام بين المثقف والسلطة صدام بين سلطتين، واحدة تستعين برجال الأمن، والثانية تستقوي باللغة وهي السلاح الأقوى "للمثقف سلطان".

وقدم زيدان تعريفا ربما يكون جديدا للمثقف، فهو من وجهة نظره "من يعبر عن الثقافة السائدة تعبيرا مكتوبا أو شفويا وأثر ما يمكن لهذا الشخص الموسوم والموصوف بالمثقف أن يحدثه في مجتمعه، ولا ينبغي أن يكون صراعا مع السلطة".

 جانب من الذين تابعوا أمسية زيدان بعمّان (الجزيرة نت)

ورأى أن الناس ينحازون بشكل تلقائي للمثقف، وهذا وفق رأيه نابع من الخيبات العربية التي جعلت المثقف يستنفر ضد السلطة ويصبح بطلا إذا قاومها وحبذا لو مات على يديها حتى تظل القضية التي وصفها بالوهمية.

واعتبر الكتاب العرب شغوفين بمسألة كيف ناضل المثقف؟ وكيف قتل على أيدي السلطة؟ مستشهدا بالمناكفة بين المتنبي الذي وصفه بأنه سليط اللسان وسيف الدولة من جهة وكافور الإخشيدي الذي كان يلقب بالأستاذ من جهة أخرى، لأن الأخير لم يمنحه قطعة أرض في الفيوم غرب العاصمة المصرية.

تقليد تونس
وحسب زيدان، فإنه إذا زاد الفعل الثقافي في المجتمع فإنه يوصل الجماهير إلى ما قبل الاصطدام وتقليل الضحايا قدر المستطاع، وطالب بالتفاهم وحل المشكلات سلميا، معتبرا أن الحراك الشعبي في عواصم عربية تقليد "موضة" لما حدث في تونس.

ورغم ذلك نزل المثقف للشارع بمصر في الثلاثين من يونيو رغم أن هذا ليس دوره، وفق وصف زيدان، ويضيف أن دور المثقف هو الكتابة، لكنه استدرك القول إن 90% من المثقفين المصريين تواجدوا في الشارع في ثورة يناير، وتساءل: أليس هذا موقفا ثقافيا لمن عارضوا التوريث ورفضوا المناصب؟

وأبدى زيدان انحيازه للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش و"أثر الفراشة"، واعتبره أهم شاعر عربي بعد المتنبي وفضله على الشاعر المصري أمل دنقل الذي وفق زيدان غير متعلم، وبين أن درويش حاول أثناء مسيرته الشعرية أن يقول لنا التناقضات بين قصيدتي "أحن إلى خبز أمي" و"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، حيث استدعى ذكريات الطفولة ورائحة الخبز التي تثير وتستفز الأطفال في ساعات الفجر، حسب رأيه.

وفي حديثه عن التراث، لفت زيدان إلى أنه لم يجد مفردة مثقف إلا في مجال مدح المحبوبة "رشيقة القوام ومثقفة القوام". وتساءل زيدان "هل تقدم شعب دون الانطلاق من موروثه ومنجزات الشعوب الأخرى وترجمتها؟".

وحسب زيدان، فإن ربط  الثقافة العربية بالإسلام غير صحيح، مشيرا بهذا الشأن إلى الملكة زنوبيا التي حكمت بلاد الشام ومصر، وقيام عشائر "تغلب" في الجزيرة العربية بتجميع القبائل والانتصار على الفرس.

الأطرش: زيدان يتميز بغزارة العلم والمعرفة والاطلاع على الوثائق (الجزيرة نت)

استقراء ونفي
وعلقت الروائية ليلى الأطرش على الأمسية بالقول إن زيدان لجأ إلى الاستشهاد بالتاريخ والشعراء القدماء وأشعارهم، لكنه أظهر بشكل واضح ألا ضرورة للصدام مع السلطة، وليس بالضرورة أن يكون دور المثقف هو الصدام مهما كان نوعه رغم أن تاريخه تضمن صدامات مع السلطة حتى في الجامعة التي أُخرج منها.

وقالت للجزيرة نت إن زيدان يتميز بغزارة العلم والمعرفة والاطلاع على الوثائق لأنه عمل رئيسا لقسم المحفوظات في مكتبة الإسكندرية، وهي كنز من المعرفة والوثائق والمخطوطات الذي أتاح له ما لم يظفر به أي كاتب عربي، وهذا ما يميز كتاباته.

وحسب الأطرش التي أدارت الأمسية، فقد تهرب زيدان من عنوانها، ولم يلتزم واستقرأ التاريخ في محاولة لملامسة الموضوع بمقارنات دون إجابة صريحة عن أزمة المثقف والمتغيرات على الساحة العربية.

بدوره، اعتبر رئيس جمعية النقاد الأردنيين السابق الناقد فخري صالح أن غاية زيدان نفي التهمة الرائجة في الإعلام العربي بشأن ضآلة دور المثقف في ما حدث ويحدث في الوطن العربي، وكذلك استعادة السؤال بشأن العلاقة بين المثقف والسلطة بصورة جديدة ومختلفة.

ويضيف صالح للجزيرة نت أن غاية زيدان تأكيد هذه العلاقة الإشكالية بين القطبين "المثقف والسلطة" لا تتسم بالثنائية أي إنها ليست علاقة صراعية فقط، بل يمكن أن تكون طبيعية تجمع الحوار والصراع معا.

ويخلص صالح إلى أن السلطة في الوطن العربي -وبسبب الاستبداد وطغيان الحاكم الفرد وتأليهه- لم تنظر يوما للمثقفين بوصفهم شركاء وإنما حاولت استتباعهم وجعلهم جزءا من آلتها أو تحييدهم وتهميشهم وصولا للتخلص منهم ولو بالتصفية الجسدية، مؤكدا هيمنة السلطة على المثقف ومحاولتها إسكاته.

المصدر : الجزيرة