أمضى المصور الأرجنتيني إدواردو خليل سنوات بين الناس بمنطقة المَسافر الفلسطينية تعرف خلالها على طقوسهم وعاداتهم واكتسب حبهم أيضا، ويقول إن مشروع تصوير هذا النمط من الحياة البدائية تحت الاحتلال لم يكن سهلا لكنه نجح بفضل دعم السكان وحبهم.

إحدى صور إدواردو خليل بالمعرض من الحياة في "مسافر يطا" (الجزيرة)
ميرفت صادق-رام الله
 
"الحياة بسيطة هنا.. أشخاص يعيشون قريبا جدا من الأرض، قريبون لدرجة أن العديد منهم ينام في رحمها، في كهوف نحتوها في الصخر، وبسيطة جدا لدرجة أن جميعهم يعتاشون من الشيء نفسه من أجل البقاء، يربون الماشية ويقومون بالزراعة البدائية النادرة".
 
كلمات قليلة كتبها المصور الأرجنتيني من أصل لبناني إدواردو سوتيراس خليل، لدى افتتاح معرضه "مَسافر: الحياة في الجُيوب" في مقر مؤسسة عبد المحسن القطان التي ساهمت بإنتاجه، وبمركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله.

ضم المعرض 27 صورة معبرة عن حياة نحو سبعة آلاف فلسطيني يعيشون على الزراعة وتربية المواشي في كهوف منحوتة في الجبال أو في خرب قديمة بلا خدمات، وقريبا جدا منهم أقام الاحتلال جدار الفصل العنصري.

وأمضى خليل سنوات بين الناس في منطقة المَسافر، تعرف خلالها على طقوسهم وعاداتهم واكتسب حبهم أيضا، حيث قال إن مشروع تصوير هذا النمط من الحياة البدائية تحت الاحتلال لم يكن سهلا لكنه نجح بفضل دعم السكان وحبهم.
 
الأرجنتيني إدواردو خليل بجانب إحدى صوره عن الحياة في مسافر يطا (الجزيرة)
فعل تمرد وإصرار
وتميز المعرض بصوره المأخوذة بالأبيض والأسود، ومن بينها صورة لسيدة مسنة تقوم بتطبيب أحد الأطفال المرضى في كهف بمنطقة عرب الكعابنة في المسافر، وأخرى لرجل يكنى "أبو علي" وقد أخذ غفوة طويلة بعد جولة من الرعي في أرضه.
 
والمسافر، موطن لمجموعة من القرى الواقعة قرب بلدة يطا في الجنوب الصحراوي لمدينة الخليل بالضفة الغربية، يصفه المصور الأرجنتيني بأنه "مكان يكمن في مكان آخر، شق في الكل، حيث يسيطر الفراغ على كل شيء".
 
وينقل المصور مع معرضه قصة الاسم "مسافر " التي بدأت في زمن العثمانيين، حيث كان جباة الضرائب يذهبون إلى هذه القرى فلا يجدون أحدا، فيضطرون إلى تسجيل قيمة الجرد لهم بـ" أصفار".
 
ويعتقد خليل أن الحياة الصفرية هذه ما زالت موجودة رغم وجود السكان "حيث يواصل الفلسطينيون هناك، وغير المعروفين لدى الأغلبية، العيش في منطقة بلا ماء أو كهرباء أو طرق، منطقة معزولة عن كل ما هو خارجها بسلسلة من المستوطنات الإسرائيلية التي تجعل الحياة في تلك المنطقة أكثر صعوبة يوما إثر يوم".
 
ومنذ السبعينيات، سماها الاحتلال المنطقة (918) بعد إغلاقها واعتبارها إحدى مناطق إطلاق النار، وطلب الجيش الإسرائيلي بترحيل الفلسطينيين منها بالسرعة الممكنة، ولا زالوا يحاولون ذلك.
 
ووسط ذلك، يقول خليل "يعيش سكان مسافر يطا، يحبون، يتكيفون، يحافظون على أسلوب عيش لم يختاروه بإرادتهم، وإنما بحكم الضرورة، كفعل تمرد وإصرار".
 
معرض الحياة بالجيوب عكس حياة الناس البدائية في مسافر يطا (الجزيرة)
استيطان وترحيل
ورغم بعد المسافة بين رام الله ومسافر يطا، حضر عودة نجادة "أبو ناصر" من عرب الكعابنة وهو رئيس المجلس القروي للمنطقة، وقد استضاف المصور الأرجنتيني في بيته لثلاثة شهور.
 
يقول نجادة للجزيرة نت إن أهالي المسافر يعانون الأمرين من ضغوطات الاحتلال، وتمارس عليهم ضغوط كبيرة لإجبارهم على مغادرة أرضهم، لكنهم صامدون.
 
ويذكر أن عددا من أهالي المنطقة تسلموا قبل أيام إنذارات بهدم مساكنهم "التي هي عبارة عن بركسات أو خيام" فأعمال الهدم لم تتوقف، وقد تعرضت المنطقة قبل عامين لهدم 16 بيتا ومدرسة بدعوى البناء في "مناطق حدودية قرب الجدار".
 
ويقول نجادة "لا بيت هنا يخلو من إنذار بالهدم، لو كان بيد الاحتلال لمنع الهواء عن الناس، لكن السكان كانوا موجودين قبل الاحتلال، وسيظلون كذلك".
 
ويبلغ عدد السكان في المسافر نحو سبعة آلاف يعيشون في ثمانية تجمعات بدوية، وتسع خِرب. وقد أقيمت بجوارهم عدة بؤر استيطانية يسكنها أشد المستوطنين تطرفا وعداءً للعرب، ويهاجمون المزارعين ورعاة الأغنام دائما.
 
ويواجه سكان مسافر يطا عوائق إضافية بسبب تصنيف منطقتهم (C) أي ضمن السيطرة الأمنية الإسرائيلية وفق اتفاق أوسلو، حيث يصطدم أي شكل من التدخل الرسمي الفلسطيني وكذلك المؤسسات الدولية بالحاجة لتصريح من الاحتلال للعمل والدخول، وهو ما يرفض غالبا.
 
وعلى سبيل مساعدتهم، يخصص المصور خليل نسبة كبيرة من ريع بيع صوره لدعم أهالي مسافر يطا.
 
ومن المقرر أن تنتقل صور الحياة في مسافر يطا إلى عدة مدن فلسطينية، قبل أن تجوب عواصم ومدن أوروبية عديدة. وسيرافق الصور معرض للفنان عيد سليمان أحد الشبان من مسافر يطا الذي انشغل بتحويل المخلفات البلاستيكية والحديدية إلى أشكال فنية.

المصدر : الجزيرة