غلاف رواية "في حضرة العنقاء والخل الوفي" للكويتي إسماعيل فهد إسماعيل (الجزيرة)
إبراهيم الحجري
 
تتناول رواية "في حضرة العنقاء" للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل -الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون 2013- قضية الفئة المسماة "البدون" في المجتمع الكويتي التي ظهرت عقب إنشاء قانون الجنسية مع بداية ستينيات القرن الماضي واستمرت إلى الآن، دون أن تجد الحلول الجذرية لأسباب غامضة.

سبق أن تناول هذا الموضوع بعض الروائيين بطرق مختلفة، بينهم الروائي ناصر الظفيري في روايته "سماء مقلوبة" 1995، لكن إسماعيل فهد إسماعيل سلك سبيل التصريح العلني عن قضية ظلت في باب التابوهات، وراح يفتت مستغلقاتها من خلال تمثيل الواقع الدرامي لهذه الفئة التي تعاني في صمت، ويكشف مستبطناتها السيكولوجية السوسيولوجية أمام القارئ العربي بوعي فني عالٍ، ودرجة كبيرة من الجرأة.

 في تقديمها للرواية تقول سعدية مفرح "حاولت الرواية التوغل في الصلب النفسي لهذه الفئة من الناس، من خلال كائن واحد لا يمكن النظر إليه باعتباره النموذج، بل باعتباره الحالة الخاصة، إشارة إلى أن كل فرد يشكل حالة خاصة في سياقها البشري، وليست مجرد رقم في سياقها الفئوي العام".

تقدم الرواية شهادة مرة على تاريخ فئة مهدورة الهوية لم تجد من يتبنى ملفها وإبلاغ مأساتها وصوتها إلى العالم إلا عبر الكتابة، وذاك ما فعله منسي، وهو في أواخر عمره، تاركا تركته الثقيلة لابنته زينب التي لم يرها إلا على سبيل الحلم

مأساة منسي
تنبني قصة الرواية على سيرة دراماتولوجية عاشتها شخصية "منسي بن أبيه" في مجتمع يرفض الاعتراف به ومنحه الوثائق الثبوتية التي تخول له التمتع بحقوقه إسوة بمواطنيه من الكويتيين لأسباب ملتبسة على الرغم من كونه ولد ونشأ في هذا الوطن، ومستعد -ربما أكثر من الآخرين- أن يفتديه بروحه إن اقتضى الأمر.

فبعد مأساة عاشها العمر كله، وبعد إفلاته من السجن يقرر الحفر في ذاكرته عن المنعطفات السوداء لمعاناته وكتابتها لابنته التي لا يعرف عنها شيئا، منطلقا من مولده، ومرورا بتجربة الدراسة وسط أقران منكرين له، وعيشه ذليلا تحت سياط قهر التهميش والدونية، مرورا بفترتي غزو الكويت وتحريرها وإقحامه في الجيش الشعبي، والمحك الذي وضع فيه الوطن إبان تلك المرحلة التاريخية القاسية، وما تركته من ندوب لن تمحى في نفسيات المواطنين.

يعرض لمرحلة انخراطه في المقاومة الكويتية، ودخوله السجن بعد محاكمته في محاكم أمن الدولة دون أن ينسى مراحل مشاركته في فرقة المسرح العربي بسوريا، وعشقه للكويتية "عهود"، وحبلها منه بعد زواج مجهض وغيرها من التفاصيل التي تسلط الضوء على المواقع المعتمة التي تجثم على نفسية البطل، فتسبب له إحباطا مضاعفا.

في سيرة "منسي" وما حوله  تقدم رواية "في حضرة العنقاء" شهادة مرة على تاريخ فئة مهدورة الهوية، لم تجد من يتبنى ملفها وإبلاغ مأساتها وصوتها إلى العالم إلا عبر الكتابة، وذاك ما فعله منسي، وهو في أواخر عمره، تاركا تركته الثقيلة لابنته زينب التي لم يرها إلا على سبيل الحلم.

 ولم تكن دعوى البدون سوى ذريعة لكشف خيوط ملتبسة من نسيج قاتم لمعنى المواطنة في الكويت أو في بلدان أخرى، حيث يطرح الراوي سؤالا فلسفيا بشأن ماهية الانتماء، والحقوق التي يخولها للبعض دون البعض الآخر، كاشفا بذلك الطبقية المائعة التي تخلق تراتبية فجة في هرمية المجتمع، دون أن تكون أقلية البدون وحدها التي تعاني، فهناك المرأة "البدون الآخر"، وهناك الكويتيون في البلدان الأخرى، والجاليات العربية في الكويت والمواطنون حسب الدرجات.

الكل يعيش المأساة نفسها، فالكاتب يوسع من دائرة الإشكالية الإقصائية، ويرى أنها تنتظم وفق الخيوط نفسها، وإن تعددت الحالات، إذ يقول الراوي "الوطن كما أراه ماهية كامنة في جينات الكائن، والقضية تكون سامية إذا سعت لتحقيق خير كلي غير مقصور على فرد أو جماعة بعينها".

اقتضت بنية الترسل جعل شخصية "منسي" محورا للحكي، فهو الشخصية التي تنشد إليها كافة المكونات والفواعل الأخرى، وتستحوذ على أغلب مساحة السرد في الرواية على الرغم من وجود شخصيات أخرى تضيء العالم من حولها

بناء مختلف
يتمثل اجتهاد الروائي إسماعيل فهد إسماعيل على مستوى تشييد الخطاب السردي للرواية في استلهام مورفولوجية الكتابة الترسلية، وما يستتبع ذلك من إجراءات فينة يقتضيها خطاب الرسالة، وأولها تخيل متلقٍ مفترض لهذه الرسالة الطويلة التي ستغطي حياة الراوي- البطل في أغلب منعطفاتها الأساسية، ولن يكون هناك أفضل من البنت لتلقي هذا الخطاب، البنت التي قدّر للبطل ألا يراها إلا في الحلم، "زينب" التي ليست سوى قناع لمتلقٍ موسع (الكويتيون، العرب، العالم..).

ولم تكن الاستعانة بخطاب الترسل في هذه الرواية بغاية الترف، بل كانت نابعة عن اختيار فني يعي مفترضات النص وشكلياتها، فالروائي يعرف أن كتابة الذاكرة -التي تستنطق السجل الشخصي للبطل- لن تراعي خصوصيات السرد الكرونولوجي، ولن تراعي الفروق الزمنية، ولن تتعامل مع المكان إلا بشكل انتقائي.

فاعتماد شكل الرسالة يحرر الصوغ الخطابي للنص، ويمنحه أفقا مشرعا للتوسع والذهاب والإياب في حياة الشخوص دونما انضباط لترتيبات الزمان والمكان، يقول الراوي "يا زينب، الكتابة عن الغم تغم، التذكر زمن نفسي منذور لذاته، ها أنا نهب حالة قنوط ينازعها إحباط بما يجعل مواصلة الكتابة مهمة عسيرة تعافها الروح".

كما أن جعل شخصية "منسي" من فئة "البدون" تحكي قصتها في شكل اعترافات وبوح، يتيح لها الفرصة أكثر لتقليب الدفاتر الذاتية، والتفاعلات النفسية والإطلال على العوالم الداخلية بقصد وضعها أمام المتلقي العربي.

لذلك، اعتمد الروائي على اختزال الزمان والمكان في جمل سردية مشحونة، تنتقي اللحظات في لا تسلسلها، والفضاءات في لا تقاربها، مراهنا حينا على المونولوغ، وحينا على التوصيف الدقيق للحالات والتحولات التي تطرأ على الذات جراء الإحساس المضاعف باللاهوية واللا انتماء.

واقتضت بنية الترسل جعل شخصية "منسي" محورا للحكي، فهو الشخصية التي تنشد إليها كافة المكونات والفواعل الأخرى، وتستحوذ على أغلب مساحة السرد في الرواية، على الرغم من وجود شخصيات أخرى تضيء العالم من حولها وتؤثث معها الخطاب، لكنها تبدو هامشية (سعود، عهود، الفنانون المسرحيون، العرب المقيمون في الكويت، مجيد، مبارك سويد، زينب..)، ولا تبرز إلا حينما يحتاجها الخطاب في تعميق دراما البطل.

المصدر : الجزيرة