على المنصة من اليمين التشكيلي الصلحى والشاعر الكتيابي والشيخ فتح الرحمن العركي (الجزيرة)

عثمان شنقر-الخرطوم

للاحتفال بمولد نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) في السودان طقوسه المغايرة عن سائر دول المنطقة. إذ ينحو الطقس الاحتفالي بمولده الكريم منحىً شعبياً وفنياً وثقافياً عبر "الزّفة" التي تجوب منطقة أم درمان القديمة وصولاً إلى ساحة المولد.

ما فعله اتحاد الكُتَّاب السودانيين السبت الماضي وهو يتقصّد إقامة فعالية خاصة بالمولد النبوي الكريم على طريقة الكُتَّاب والفنانين، ربما لم يذهب بعيداً عن الطقس الاحتفالي الشعبي فى ساحة المولد العامة. فقبل أن يتهيأ المتحدثون للجلوس علي المنصة، بادر مجموعة من شباب الطريقة القادرية العركية السنية بتقديم عرض "ذكر ومديح" تمايل ورقص فيه حضور الأمسية انفعالاً مع إيقاعات "الطار والنوبة" الصاخبة.

وفى مستهل الأمسية، جرى عرض فيلم وثائقي لـ"زفة" المولد الأم درماني، وهو تقليد ديني وثقافي ذو جذور ضاربة فى تاريخ المدينة. واستعرض الفيلم مسار زفة المولد التي تبدأ من حي مكي ود عروسة على صهوات الخيل، مروراً بشوارع المدينة العريقة وحتى ساحة المولد فى الجزء الجنوبي منها.

عقب ذلك، جلس الحضور فى إنصاتٍ وقور للاستماع لـ"مؤانسة خاصة حول التعليم والفنون في رحاب التصوف السوداني" فتحدث الشيخ فتح الرحمن بن الشيخ على العركي والفنان التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي، وأدار وقائعها الشاعر عبد المنعم الكتيابي. 

مجموعة من شباب الطريقة القادرية العركة يقدمون عرضا للذكر ومديح المصطفي (الجزيرة)

ربما كان موضوع الندوة -المؤانسة- في جِدته وطرافته هو الذي جعل دار الاتحاد تزدحمُ بأصنافٍ وخليطٍ من الفنانين والكتاب وأهل المسرح والدراما ومحبي التصوف ومريدى الطريقة القادرية العركية بصورةٍ لافتة. الأمر الذى جعل كثيرين يتأملون عظمة مولد النبي الخاتم.

وفي مُستهل تقديمه، أبرز الكتيابى الدور الذي اضطلعت به الطُرق الصوفية فى نشر الدين الإسلامي فى كافة أرجاء البلاد. ومعروف أن السودان منذ أن عرف الإسلام وانتظمت المجتمعات فى عقيدته، توالت عبر عقود التاريخ تتابعاً العديد من المذاهب ومدارس الفكر والطرق الصوفية متخذة من الثقافات المحلية مدخلا أساسياً لاستقطاب الناس ونشر تعاليم وقيم الدين.

"مسرحة" السيرة النبوية
وفي السياق، أبرز الشيخ فتح الرحمن العركي الجانب الفني المتمظهر في حلقات الدرس فى "الخلاوي والمسايد" وجلسات المديح النبوي بما فيها من صياغةٍ شعبية للسيرة النبوية، بجانب حلقات الذكر على ضربات النوبة.

وقال العركي إن كل هذه الأشياء تبقى راسخة في الوجدان السوداني، موضحا أن الاحتفال بالمولد النبوي أحد أبرز هذه العلامات التى تؤكد على دور الصوفية بجانب التعليم وبسط المعرفة، مشيراً لدورها فى تكريس ألوان مختلفة من الفنون عبر إيقاعات النوبة والطار بجانب التشكيل والدراما الملموسة فى الاحتفال بالمولد.

ولفت إلى أن الذين اعتادوا زيارة ساحة المولد بأم درمان يلحظون أن هناك محاولة لـ"مسرحة" ما ورد بالسيرة من توصيف ليلة ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، في إشاراتٍ فصيحة من شاكلة:  "وانبثق عمودٌ من النور" في إشارة إلى عمود الصاري المنصوب فى الساحة، و"رفرفت الملائكة بأجنحتها" وهذه إشارة بارزة فى البيارق والرايات، و"نزلت طيور الجنة بمناقيرها الملونة" وهي تظهر في الأعلام الملوَّنة ثلاثية الأشكال التي تُشبه مناقير الطيور.

وعرّج الشيخ العركي للحديث عن ما أسماه مهمة الإنسان في الكون والتي قال إنها مجسَّدة في النبي الكريم، وأن مهمة الإنسان هى خلافة الله فى الأرض وإعمارها "وهو إعمار محكوم بالعبادة" وقال إن العبادة تحتاج النية وشرط النية -وفق العركي- الحرية، موضحا "إذا لم تكن هناك حرية، فليس هناك دين".

أصول أندلسية
ودلف التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي من بابٍ آخر للحديث، ورأى أن كثيراً من الناس عندما يتحدثون عن الهوية السودانية فإنما يطرقون إلى الجانب العرقي والإثنى لموضوع الهوية، ولا يتطرقون للهوية الثقافية الجامعة.

وكشف الصلحي عن دراسته للفنون في الغرب الأوروبي التي وجدت نتائجها الفنية عزوفاً من محبي الفنون في البداية. وقال إن خطواته في دروب الفن لم ترسخ إلا بعد أن حاول إبراز الجانب الصوفي للشخصية السودانية في أعماله الفنية.

في هذا الإطار حاول الصلحي تلمُّس الذوق السوداني، ووجد أن الخط العربى والزخرف يلقيان قبولاً كبيراً لدى شريحة مقدرة من الناس. وقال إنه كان يظن أن الزخرف الموجود فى أدوات الكتابة فى "الخلاوى" مثل "الشرافة" أفريقيٌ، ولم تنجلِ أمامه حقيقة أصل هذا الزخرف إلا بعد زيارة فنية إلى إسبانيا اكتشف فيها أن الزخرف يعود للأندلس وهو نفسه الموجود حتى الآن فى زوايا الشرافة واللوح فى خلاوي السودان.

الصلحي (يسار) دعا للتركيز على الهوية الثقافية الجامعة للسودانيين وليس العرق (الجزيرة)

وكشف الصلحي عما أطلق عليه وصف "معتقدات خاطئة عن الصورة". وقال إنهم كفنانين يواجهون مشكلة مع جمهور معين بسبب بعض المعتقدات التي يراها خاطئة.

ولم ينس أن يشير لواقعة "لعب السيدة عائشة في طفولتها بالدمية ولم ينهها النبي الكريم عن اللعب بها". وقال إن الدمية ليست سوى تمثال. وأكد أن العبارة المألوفة "إن الله جميل يحب الجمال" عبارة صادقة وحقيقية وليست عبثاً.

وقال الصلحي إن الفنان يحاول أن يعبد الله بالأساليب المتبعة "ونحن نضيف على ذلك بتجويد عملنا التشكيلى" مشددا على أن اتقان العمل يدخل في باب العبادة.

المصدر : الجزيرة