غلاف المجموعة القصصية "ما الذي سأفعله بعدك؟" للجزائرية نعيمة معمري (الجزيرة)
عبد الرزاق بوكبة-الجزائر
 
خاطبت القاصة الجزائرية نعيمة معمري نفسها في مقدمة مجموعتها القصصية "ما الذي سأفعله بعدك"، الصادرة حديثا عن دار فيسيرا للنشر في الجزائر: "هل أصابتكِ أعراض الجنون والشذوذ، أم أعراض الانتحار، أم هو مجرد وهم الكتابة؟" فالجنون والموت ووهم الكتابة هي الهواجس الكبرى التي تؤثث هذه التجربة على مدار نصوصها الـ 18.

تفاوتت النصوص طولا وقصرا، لكنها اشتركت في طرح الأسئلة الرامية إلى فهم مدينة جزائرية "متعبة بأوجاعها القديمة"، ويحضر الجسد عند معمري عبئا، ترغب الأرواح المتعددة لبطلة النصوص في نبذه والتخلص من أوزاره، فهو يعيق تحليقها ويبرمجها على المكوث في "مملكة التراب".

تقول بطلة قصة "أحزان بحر الشمال" -وهي تمارس شهوة توَهمها القدرة على الخلاص من جسدها- "جسدي هذا الذي أشعر به الآن قطعة منفصلة عني، قطعة أتنازل عنها الآن بلا مبالاة". لكنها تكتشف في النهاية أن المجتمع الذي يحاكم جسدها، ويعتبره عورة، هو نفسُه يعرقل محاولة التخلص منه.

لا تقف الكاتبة مواقف سياسية مباشرة، لكنها لا تكفّ عن إدانة واقع جزائري ملغم بالتعسفات في حق إنسان يجد نفسه -في كل مرة- مبرمجا على التفكير: إما الرحيل، أو الاستقالة المعنوية

حرقة الأسئلة والواقع
لا تجد بطلة النصوص مخرجا لمأساتها الروحية مع جسدها الذي جعله الشارع هويتها، إلا تشويه هذا الجسد وتعذيبه، علها تشعر بالانتصار عليه، "في أعماقي رغبة شريرة في أن أعذب هذا الجسد الذي يعذبني من أجله الجميع".

تكتشف عجزها سريعا، فتسقط في وحل اليأس "مشكلة هذا الوجود الذي تعب في تقويمه الأنبياء والشعراء والأولياء هو الجسد"، لكن روحها التواقة إلى الانعتاق تحرضها دوما على انتشال نفسها بطرح الأسئلة الممهدة للخلاص.

لا يقدم لنا شخوص نعيمة معمري فهما للذوات والوجود، بل رغبة في أن يحققوا ذلك. إن الفهم ليس معطى جاهزا، بل ثمرة لمكابدات جسدية وروحية عليهم أن يكابدوها، لذلك فقد وطّنوا أنفسهم على الاستمتاع بطرح الأسئلة، وصولا إلى مقام يستمتعون فيه بحالتي الغموض والفهم معا.

في قصة "مهلا.. إنها تمطر"، تسأل البطلة "هل كانت لجدتي أخطاء ورغبات؟ أم أننا الجيل الوحيد المتلبس بأخطائه ورغباته؟" إنها تبحث عن "شرعية تاريخية" لحقها في أن تخطئ وترغب في مجتمع يقدس هذا النوع من الشرعيات، لذلك فهو يمنح ويمنع على أساسها، لا على أساس الحق والكفاءة.

وتسأل في قصة "ريثما يثمر الجحيم" عن جدوى مراهنتها بحياتها في وطن يجد فيه القتل مبررات، هي التي أحبته، ودسّته في عقلها وروحها، لكنها لا تجني "والعمر يتدحرج" إلا "الأحلام المزروعة داخل دهاليز المستحيل".

يتداخل الشعر مع السرد في مفاصل كثيرة من مجموعة "ما الذي سأفعله بعدك"، حتى تنتفي الحدود بينهما أحيانا، لكنهما سرعان ما يتواطآن على تبادل الأدوار خدمة للحالة النفسية والجمالية للنص

إدانة واقع
لا تقف الكاتبة مواقف سياسية مباشرة، لكنها لا تكفّ عن إدانة واقع جزائري ملغم بالتعسفات في حق إنسان يجد نفسه -في كل مرة- مبرمجا على التفكير في: إما الرحيل، أو الاستقالة المعنوية "ذاك الوطن الذي ندسه عنوة في حقائب سفر مستعجلة، ينضح أكثر في الغياب".

ويلجأ شخوص المجموعة -خاصة في نصوصها المطولة- إلى التدثر بالنسيان، والبحث داخله عن بديل لأوجاعهم وخيباتهم، لكنهم يكتشفون أنهم لا يحسنون ممارسة هذا الفعل.. أن ينسوا، فيتعزّوا بالإدانة "كيف لي أن أمحو، أو كيف أنجز النسيان؟"

تقدم نعيمة معمري "سيدي أحمد الديقا" في القصة التي تحمل اسمه، نموذجا لإنسان بسيط، يجد في السوق فضاءه الأثير لممارسة ذاته، يتلذذ فيه بممارسة الشتم، واختراق القانون والتعدي على رموزه، هو الذي ولد لقيطا في الشارع، وربما بسبب ميلاده ذاك بات مهووسا بفكرة المكان والرغبة في الاستيلاء على ذاكرته.

كان يرى الناس يغتنون من حوله، دون أن يعرف مصدر غناهم، وهو الفضول الذي قاده إلى رحلة بحث عن الحقيقة، كلفته السجن مرات، قبل أن تقرر السلطات هدم السوق، وتحويله إلى ملعب.

يختفي "الديقا" باختفاء السوق، وتورق الإشاعات حوله، لكنه يضع حدا لها بظهوره محمولا على أكتاف المتظاهرين، وصارت هذه عادته، يختفي ولا يظهر إلا في المظاهرات. لقد تحول إلى ضمير حي للإنسان والمكان.

يتداخل الشعر مع السرد، في مفاصل كثيرة من مجموعة "ما الذي سأفعله بعدك"، حتى تنتفي الحدود بينهما أحيانا، لكنهما سرعان ما يتواطآن على تبادل الأدوار خدمة للحالة النفسية والجمالية للنص.

ووفرت نعيمة معمري الحدث في قصصها -حتى القصيرة جدا منها- فانتشلتها من الغرق في الشعرية الزائدة التي كانت كفيلة بنسف سرديتها، ولم يمنعها اشتغالها داخل مساحات ضيقة جدا من أن تقبض على اللحظة، من خلال التكثيف، تاركة ما فاض من هوامش لخيال المتلقي.

المصدر : الجزيرة