غلاف كتاب "هوامش لذاكرة العين" للمغربي بوجمعة العوفي (الجزيرة)
إبراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
يسعى الشاعر المغربي بوجمعة العوفي في منجزه الشعري "هوامش لذاكرة العين" إلى إنزال الشعر من برجه العاجي ليعايش الناس في محكيهم التداولي، في زمن بات فيه هذا الجنس الأدبي العريق مهددا بالتراجع المطرد، نظرا لابتعاده عن هموم الناس، مقابل تزايد الاهتمام والإقبال على القصة القصيرة والرواية.

يرى العوفي أن أهم إجراء على الشعراء اللجوء إليه هو السعي إلى معانقة أسئلة الناس، ومغازلة وجدانهم، وخلخلة مشاعرهم، حتى يستعيد الشعر بريقه المهدور، وتعود إلى الناس الثقة فيه، وتتجدد آفاق مقروئيته وانتشاره، بدل أن نزيد من إغراقه في العزلة والعزوف الجماهيري والانهيار الجمالي.

يزاوج العوفي -في هذا الديوان الفريد من نوعه- بين الشذرة الشعرية العميقة والصورة الفوتوغرافية المعبرة التي التقطها مجموعة من المصورين في أزمنة مختلفة لمشاهد ووقائع غير متشابهة، فتصبح كل قصيدة مكاشفة عميقة لطوبوغرافية الصورة، وسجالا متواصلا بين اللغة والعناصر البصرية.

تكون مفردات الصور محرّضا ماديا للذاكرة البصرية للشاعر، فيطلق العنان لمتراكمه القرائي والحياتي، وينبري في قراءة الصور شعريا عبر استنطاق موحياتها ومدلولاتها الكامنة الساكنة والمتحركة، فلا تكون القصائد نسخا للمحمولات الدلالية والمعينات البصرية، بل امتدادا لمشاعر وأحاسيس تعود بذاكرة العين إلى التفاصيل التي لحظتها قبل أن يمحوَها السهو.

الشاعر لا يصف مكونات المشهد ولا يوظف لغاته المجازية والإيحائية في تفسير المظهر الجمالي للمنظر فحسب، بل هو يسقط إحساسه بتاريخ المكان

ذاكرة الأمكنة
تعامل الشاعر مع لوحات أربعة فنانين فوتوغرافيين، هم: نور الدين الغماري، ومحمد خلوف، وبنيونس عميروش، وخالد المتوكل، مختارا المتّكآت البصرية التي تُسائل الأمكنة الموحية.

ونلفي -من خلال تمعن هاته الأمكنة- غلبة الأبواب والأقواس والمداخل الكبرى للمدينة والواجهات المعمارية التقليدية والشبابيك، والنوافذ المغلقة والمفتوحة، لكن هاته الفضاءات غير مفصولة عن تاريخها وزمنها الحضاري، فهي لا تعبر إلا باستحضار البعد الإنساني فيها.

ولكي تتسع الأبعاد الإيحائية في الصور، ثم تحويلها إلى التجلي الرمادي- حيث الغلبة للأبيض والأسود- وإقصاء الألوان، واستحضار الفصول الماطرة والخريفية التي تضفي على المشهد بعدا دراميا يحيل على الزوال والاستكانة إلى الدواخل، واللوذ بالطبيعة الخام للأشياء في طهرها ونقائها.

ومن الدوال التي لا يمكن أن نقفز عليها، تلك النظرات القاتمة لوجوه تعبر برؤاها الغائمة الشرفات والمنافذ والآفاق، ومسحات حزن دفين تغلف ملامحهم المنحوتة بالتجارب وبالزمن، فضلا عن الهيروغليفيات القديمة التي تؤثّثُ الجدارات والأعمدة والسّواري، مما يكثف البعد الجمالي والاستحضار التاريخي لتعاقب الحضارات والأزمنة، واستمراريتها في الزمن واختراق الآفاق.

إن الشاعر لا يصف مكونات المشهد، ولا يوظف لغاته المجازية والإيحائية في تفسير المظهر الجمالي للمنظر فحسب، بل إنه يسقط إحساسه بتاريخ المكان، ويجلي بياض الفجوات بين فهم الآخرين وفهمه للفضاء، وهو يتفاعل مع الزمان والمكان والمناخ، ولو عبر مُماحكات تعبيرية ولغوية تسافر في الزمان، وتخاتل الذاكرة، وترصد الانفعال الذي يُحدثه الحضور في باب الريح أو أقواس المدينة القديمة.

صور الوجوه بملامحها المنحوتة، وتعابيرها المكدودة، وتدرجها في مسافة العمر تكاد تكون سيرة ذاتية للإنسان مكتوبة بالشّعر والصور المتلاحقة

خرائط منسية
تقف الشعرية في التفصيل السجالي على قضية الزمن، وفعله في الوجوه، وكأنه يستنطق محكياتها، وهي تسافر بين المراحل العمرية (الطفولة، الشباب، الشيخوخة). فلكل مرحلة نكهتها، وبلاغتها، وأسئلة قلقها.

لكن الوجوه المؤثثة للصور الفوتوغرافية المصاحبة للقصائد تلهج بأناشيد المعاناة. كل الوجوه عبارة عن خرائط منسية، تحفها خربشات الفقر والخيبات المتلاحقة، وتدون الطبيعة على صفحاتها تعابير البؤس، وحيثيات الصراع المرير من أجل الاستمرار.

فالأطفال -كما يبدون من خلال الصور- إما يبكون أو يضعون أيديهم على ذقونهم، أو يبتسمون ابتسامة المرارة، أو يشبكون أيديهم، أو يقطبون حواجبهم. أما الكهول، فهم إما ساهون في تفاصيل العمر البائد، أو منشغلون بمحاورة الناي، أو غارقون في بحر الألم واليأس، أو منهمكون في قتل ما تبقّى من العمر.

يقول الشّاعر محاورا صورة أطفال يطلون من نافذة: "لطفولاتي المنثورة فوق جبين الشمس، وفوق هجير البلد، نكهة هذا القيظ وعمق الحنين. هل تدري من أين تعود إليك نتف الشّوق المتبقية من أزمنة تتركها تزهرُ في منطقة الظلّ وبين حصى الطرقات؟ كم لذات مبهمة كنت تهربها في جوف الليل، أو تودعها ذاكرة الأبواب كي تنضج أكثر أو يغمرها الخواء؟ كل يحفظ ذكرى طفولته في بلواه، وكلّ يحمل سيرته في جسده".

تكاد صور الوجوه بملامحها المنحوتة، وتعابيرها المكدودة، وتدرجها في مسافة العمر، تكون سيرة ذاتية للإنسان مكتوبة بالشّعر والصور المتلاحقة المتكدسة والمستغرقة في الزمن والمكان، وكأنها حوافز لاستثارة الذكريات والتجارب المعيشة.

وهذا ما يؤكده التشكيلي بنيونس عميروش بقوله "قد تكون هذه الصورة أو تلك غير مقنعة بالنسبة للواحد منا، بيد أنها قد تثير الكثير من الأشياء الراكدة عند الشاعر، إذ يمكن أن يتأملها ويخترقها بعقله دون التركيز على لغة العين في بعدها الإستيطيقي، فتتخذ الصورة مقامَ المدخل للموضوع الذي يسكن ذات الشاعر، فتمسي الصورة معادلة للمحفز أو المحرّك". 

المصدر : الجزيرة