غلاف رواية "إرهابيس" للروائي الجزائري عز الدين ميهوبي (الجزيرة)
ياسين بودهان-الجزائر
 
تنطلق رواية "إرهابيس-أرض الإثم والغفران" للروائي الجزائري عز الدين ميهوبي من معايشة لواقع أخذ فيه الإرهاب حيزا كبيرا في تسعينيات القرن الماضي وما بعدها، وانتشار العنف والجماعات الإرهابية التي تهدد العالم بمزيد من الدم.

وفي حديثه للجزيرة نت يرى ميهوبي أن "الإرهاب هو الوجه الأكثر بشاعة للعولمة"، ويتساءل قائلا "ماذا لو أن الإرهابيين والقتلة باسم الدين والسياسة والمال والعرق والديكتاتوريين الذين غيروا مجرى التاريخ بالقوة اجتمعوا واتفقوا على بناء دولة في مكان ما من العالم؟".

وهو ما اهتدى إليه في روايته الجديدة، بابتكار جزيرة "إرهابيس" التي هي في الواقع -حسب ميهوبي- جزيرة داروين القريبة من الإكوادور، حيث أجرى تشارلز داروين بحوثه العلمية حول نظرية أصل الأنواع والنشوء والارتقاء، ويكتشف الناس مع مرور الأيام أن الجزيرة آهلة بالسكان.

في الرواية يجنح ميهوبي إلى ابتكار عوالم خاصة به، قد تكون مؤسسة على فكرة سريالية، أو تمزج بين الواقعية والسريالية فيكون العمل الأدبي مثيرا للدهشة بغرائبية يتداخل فيها الزمن ويختلط فيها الواقع بالمتخيّل

الواقعي والمتخيل
ينكشف السر عندما تأتي مجموعة من الصحفيين لزيارة الجزيرة، فيجدون مجتمعا من رموز الإرهاب والجريمة والمخدرات والقتل السياسي وكبار الديكتاتوريين وقادة الأنظمة الشمولية العنيفة، أو من يصنفون في هذه الخانة، أمثال هتلر وموسيليني وستالين وفرانكو وتشاوشيسكو وبينوشيه وعيدي أمين وغيرهم.

هناك أيضا أسامة بن لادن وتشي غيفارا وكارلوس وبوب دينار وزعماء الجماعات المتطرفة في العالم. يجتمع هؤلاء ويضعون دستورا وعلما ونشيدا، ويحررون بيانا روحيا، ويشكلون هيئة عليا لإدارة شؤون الكيان، ويحاولون بناء مجتمع متسامح فيما بينهم.

يبنون علاقات إنسانية حذرة، لكنهم لا يشعرون بالندم إزاء ما قاموا به في ماضيهم، بل إنهم يستعدون للعودة إلى العالم المنبوذ للقيام بهجمات أكثر عنفا من أحداث 11 سبتمبر/أيلول.

يحددون أهدافا في مواقع كثيرة من العالم لا يقع الإجماع عليها، فينشق بعضهم، وخوفا من انهيار إرهابيس والدخول في فتنة، يحتكمون إلى الأب "أطلس"، الأب الذي يقف وراء دولة إرهابيس الذي هي أشبه بجزيرة طفت فجأة على سطح الماء، نقيض "أتلانتس" التي غرقت ولم يتبق منها إلا الأسطورة".

رواية إرهابيس، التي تأتي بعد روايته المعولمة "اعترافات أسكرام" المفعمة بالتنبؤات- وتقع في 276 صفحة من القطع المتوسط- هي حسب ميهوبي محاولة لتفكيك الإرهاب والعنف والديكتاتورية إبداعيا، بتوظيف المتخيل والحقيقي في قالب فني يأخذ القارئ إلى عالم، يقول عنه إنه منبوذ لكنه يفرض جاذبية السرد.

في إرهابيس يجنح الروائي ميهوبي إلى ابتكار عوالم خاصة به، قد تكون مؤسسة على فكرة سريالية، أو تمزج بين الواقعية والسريالية فيكون العمل الأدبي مثيرا للدهشة بغرائبية يتداخل فيها الزمن ويختلط فيها الواقع بالمتخيّل.

ما يميز "إرهابيس" أنها منفتحة على أشكال كتابية متنوعة، ففيها حضور للشعر، وحضور للتأريخ، وحضور للوثائق والأرشيف، والرواية إلى جانب ذلك تحمل زخما من المعلومات التي تثري صفحات الرواية

قضية عالمية
إرهابيس في نظر الناقد الدكتور عثمان بدري الأستاذ بجامعة الجزائر أتت بالجديد في مستويات عدة، فهي تتميز ببنية لا يمكن فيها الفصل بين الحامل والمحمول، بين الشكل والمضمون، أو بين الأسلوب والمادة المقدمة، وبرأيه هناك "نوع من التماهي في خصائص الرواية بين أسلوب الكتابة، ومحمول الكتابة".

وما يميز "إرهابيس" حسب الدكتور بدري أنها منفتحة على أشكال كتابية متنوعة، ففيها حضور للشعر، وحضور للتأريخ، وحضور للوثائق والأرشيف، والرواية إلى جانب ذلك تحمل زخما من المعلومات التي تثري صفحات الرواية، وتشكل منبعا معلوماتيا موثقا للقارئ، وفيها أيضا حضور للأغاني الملتزمة ولبعض الشعراء، هي نص أدبي -يضيف بدري- منفتح بطبعه على كل أشكال القول الأدبي.

وما يميز محتوى الرواية أنها تتناول قضية كونية وليس قضية وطنية أو محلية أو حتى إقليمية، وليس قضية خاصة بمجتمع من المجتمعات، إنما تتناول قضية كونية وهي ظاهرة الإرهاب، كونه ظاهرة عالمية لا يمكن فصلها بين شمال وجنوب أو بين شرق وغرب.

ويشير بدري إلى أن الرواية موجهة أساسا إلى الآخر، وهو العالم الغربي، والذي يظن أن الظاهرة الإرهابية تقتصر فقط على العالم الشرقي عموما، والعالم العربي والإسلامي خصوصا.

وهي بذلك تحمل رسالة للغرب لكي يعدل من صورته النمطية لظاهرة الإرهاب لأنها ظاهرة لا وطن ولا هوية لها، وإنما هويتها ووطنها -حسب الناقد- هي عقيدة الدم وعقيدة الاجتثاث، ومنطقها قائم على أحادية الرأي وعدم المحاجة ورفض الحوار مع الآخر، وما إلى ذلك من طرق التواصل بين الناس.

ويرى بدري أن الرواية مفتوحة على قراءات متعددة، لكن بالنهاية يجزم أن الروائي عز الدين ميهوبي استطاع من خلال عمله "إرهابيس" أن يقنع الآخر، وهو العالم الغربي برسالة غير مباشرة أقل ما تثيره هي حالة الاندهاش وحالة نقد الذات.

المصدر : الجزيرة