خالد خليفة: حلب كانت تدافع ضد إهمال ومعاقبة النظام لها (الجزيرة)
حاوره/ هيثم حسين
 
يسعى الروائي السوري خالد خليفة (من مواليد حلب 1964) في روايته "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" إلى توثيق تاريخ مدينته حلب التي تمثل نموذجا للمدن السورية التي ظلت سجينة القيود المفروضة عليها سلطويا.

اختيرت "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" ضمن اللائحة القصيرة لـ"البوكر" العربية، وهي الرواية السورية الوحيدة المختارة هذه السنة، وكانت قد فازت مؤخرا بجائزة نجيب محفوظ للرواية.

يرى صاحب "مديح الكراهية" أنه لا يمكن قراءة روايته خارج زمننا المستمر بما فيه من وقائع ومفارقات. وهو الذي يعالج فيها ممهدات الراهن السوري على وقع الحرب الدائرة في عدد من المناطق السورية، وبخاصة مدينة حلب التي هي مسرح أحداث روايته ومنطلقه نحو تصوير المنعطفات التي مرت بها البلاد بعد الاستقلال.

الرواية السورية تستحق عناية أفضل من قبل الجميع، ناشرين وقراء ومؤسسات

يعتقد خليفة أن بإمكان الرواية أن تحرض المؤرخين على اعتماد مفهوم مختلف للكتابة، وأن الرواية دوما تكتب تاريخ الأمكنة الخاص وفي الوقت نفسه لا يمكن أن تلغي دور المؤرخ. ويذكر أنه فوجئ بحجم العنف الكامن داخل كل الأفراد الذين أحاطوا به ذات مرة في حلب، ويعيد التذكير بتحذير سابق له من أن العنف الكامن في حلب قد يؤدي بالأخضر واليابس.

الجزيرة نت التقت الروائي خالد خليفة بمناسبة اختيار روايته ضمن اللائحة القصيرة لـ"البوكر" فكان الحوار التالي:

ماذا يعني لك أن تكون روايتك هي الرواية السورية الوحيدة المختارة ضمن القائمة القصيرة للبوكر هذه السنة، ولاسيما أن روايتك قد فازت بجائزة نجيب محفوظ مؤخراً، ولك تجربة سابقة في اللائحة القصيرة؟ وكيف ترى تأثير جائزة البوكر في حركية الرواية العربية؟

- كنت أتمنى لو أنها مع روايات سورية أخرى في القائمة الطويلة والقصيرة أيضا، الرواية السورية تستحق عناية أفضل من قبل الجميع، ناشرين وقراء ومؤسسات.

وجائزة البوكر لها تأثير مهم على النتاج الروائي خاصة من ناحية التسويق مما يشجع أجيالا جديدة على الخوض في غمار الكتابة والاعتقاد بأن الروائي من الممكن أن يحظى بتكريم مادي ومعنوي، وهذا شيء جيد على ما أعتقد.

تتزامن ولادة بطل روايتك مع انقلاب البعث 1963، هل تشير إلى انقلاب الوقائع والمفاهيم بحيث قد تصبح الولادة خبراً لموت بلد أو تعطيل طاقاته وقدراته لعقود تالية؟

أي مؤرخ يريد كتابة تاريخ مدينة مثل حلب في العقود الخمسة الماضية لن يستطيع تجاهل الخراب والعشوائيات والترييف، والدمار الاجتماعي والغيتوات، إلا إذا أراد كتابة تاريخ مزور

- ميلادي الشخصي هو قريب من استلام حزب البعث للسلطة في عام 1963 وبالتالي هناك في سوريا جيل كامل عاش حياته وحتى الكهولة خلال هذه السنوات الخمسين، ولم يكن لتاريخ الولادة أية دلالة خارج سياقها سوى الإشارة إلى بؤس هذا المولود الذي لم تكن أمه ترغب بهذا التقاطع بينه وبين الحزب.

إلى أية درجة يحضر التقاطع بينك وبين بطلك وخصوصاً أنّك اخترت ميلاده قريباً من ميلادك وفي المنطقة نفسها؟

- لا تقاطع أو تشابه بالمفهوم الشخصي، أنا شخص مختلف عن الراوي الذي يمثل أعدادا غفيرة من أبناء جيلي الذين عايشتهم في المدرسة والجامعة والحياة، والمنطقة لا دلالة لها خاصة وأنني أكتب عن حلب وريفها دوماً وليست المرة الأولى التي أقاربها في رواية.

وُصفت روايتك بأنها تأريخ لمدينة حلب في العقود الخمسة الأخيرة، هل يمكن للرواية أن تحتضن التاريخ وتوثق له؟

- من الممكن أن تحرّض المؤرخين على الذهاب إلى اعتماد مفهوم مختلف في الكتابة، أي مؤرخ يريد كتابة تاريخ مدينة مثل حلب في العقود الخمسة الماضية لن يستطيع تجاهل الخراب والعشوائيات والترييف، والدمار الاجتماعي والغيتوات، إلا إذا أراد كتابة تاريخ مزور، ودوما الرواية تكتب تاريخ الأمكنة الخاص وفي الوقت نفسه لا تغني عن مكان المؤرّخ أو تحتله.

العنف سمة رئيسة تبدو طاغية في أحداث الرواية، وهو عنف متجاوز للأفراد والجماعات، يتعمّم ليقضي على مدينة حلب بكاملها وعلى غيرها من المدن.. إلى أيّ حد يكون العنف محرّضا لديك؟

لا يمكن قراءة رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" خارج زمننا المستمرّ، لا تستدعي التاريخ والماضي المستمرّ ولا تقف عند الراهن كون القطيعة مع هذا الماضي لم تحدث بعد

- ذات مرة أطلت المكوث في حلب لفترة وفوجئت بحجم العنف الكامن داخل كل الأفراد الذين يحيطون بي، عنف لفظي، عنف جسدي، عنف عام وخاص تلاحظه واضحا في علاقات المجتمع، أصابني الذهول فعلا، وكتبت مقالا عام 2006 على ما أذكر بعنوان "حلب.. مدينة معاقبة" ونشر وقتها في "مجلة المال".

أهم ما قلته إن العنف الكامن في حلب قد يودي بالأخضر واليابس، كانت حلب وقتها تدافع ضد إهمال ومعاقبة النظام لها وتفعل ذلك على طريقتها كما كانت تفعل كل شيء. نعم العنف حرضني كثيراً على كتابة هذه الرواية.

هل تمكن قراءة روايتك بمعزل عن الراهن السوريّ المعيش؟ وهل استدرجك هذا الواقع لتوصيفه ولو في سياق ماض مستمرّ؟

-لا يمكن قراءة هذه الرواية خارج زمننا المستمر، لا تستدعي التاريخ والماضي المستمر ولا تقف عند الراهن كون القطيعة مع هذا الماضي لم تحدث بعد.

المصدر : الجزيرة