استيللا قايتانو: أملك هوية واحدة بانتماءات متعددة (الجزيرة نت)
حاورها من الخرطوم-محمد نجيب محمد علي
 
 
استيللا قايتانو كاتبة شابة من جنوب السودان، ولدت وعاشت في الخرطوم حتى وقع الانفصال لتجد نفسها أجنبية، فرحلت -مكرهة- إلى وطنها الجديد الذي لم تعرفه إلا عن طريق الحكايات. الآن وجدت نفسها غريبة اللسان والوجدان رغم أن الأرض أرض أجدادها، فما الوطن يا ترى؟ التقتها الجزيرة نت وحاورتها حول هذا الواقع الجديد.
 
 من هي استيللا؟ وما حكايتها مع كتابة القصة؟

استيللا قايتانو من مواليد مدينة الخرطوم بحري، خريجة جامعة الخرطوم كلية الصيدلة، أم لطفلين وكتاب واحد، كنت طفلة شديدة المرح وأحب نسج القصص من الخيال، ذات يوم حكيت لأخواتي قصة من خيالي المحض وأصبحت القصة تتناسل وتتكثف ولم أشعر بأن لها نهاية قريبة، نام الجميع وواصلت الحكي وسط تثاؤبي، حتى انتهرتني أمي لأسكت وأظنني نمت بسرعة شاكرة أمي لإنقاذي من تلك القصة الـ"بلا نهاية"، نمت وبقيت القصص مستيقظة في خيالي تتربصني لأحكيها يوما ما.

 متى تكتب استيللا.. هل من طقوس وأجواء معينة؟

لا شئ من ذلك، عندما يستفزني نص أو موقف أو جملة أو رائحة أو طقس مناخي أو حتى هزة نفسية أمسك القلم وأشرع في الكتابة. هناك نص لي أسميته "خرائط لعوالم مجهولة" كتبته أثناء امتحان للفيزياء في الجامعة، كان امتحاناً صعباً لم أستطع أن أجيب فيه سوى عن سؤال ونصف سؤال آخر، كان أمامي الكثير من الأقلام والورق الأبيض ووقت طويل تبقى من زمن الامتحان، لم أدر كيف استنفده، فكتبت ذلك النص على ظهر ورقة الأسئلة. طبعا رسبتُ في الامتحان، ونجحتْ القصة.

 هل كانت كتابة القصة اختيارا؟

حقيقة لا أدري، ولكن كثيراً ما أفكر في أني خلقت لأقرأ وأسمع القصص، ومن ثم أكتب قصتي وقصص الآخرين بكل حب.

عندما كتبت ونشرت أعمالي كان الأمر عشوائيا، كنت لا أعرف ما شروط كتابة القصة القصيرة، وعندما عرفت بعض الشروط اكتشفت أنني كنت أتمرد على الكثير منها، لأنني لا أعرف كيف أصمت ما دامت هناك بقية من الحديث، ولكني بعد ذلك قرأت كثيراً لكتاب سودانيين وعالميين بقصد أن أطور نفسي وأصنع بصمتي.

كثيرا ما أتساءل: لماذا نقرأ لغابريال غارسيا ماركيز وإيزابيل الليندي وغيرهما وهم يكتبون حكايات أميركا اللاتينية -نستمتع بها ونقدرها- وهنا في أنحاء السودان الكبير أخوة لنا قريبون منا لا نعرف تفاصيل حياتهم، ثم عندما تشتعل الحروب نتساءل بغباء لماذا نقتل بعضنا؟

 هل صحيح أنك نقلت أساطير قبيلة اللاتوكا في جنوب السودان للغة العربية؟

قد يكون ذلك صحيحاً، السودان كان -ولا يزال- كنزاً من الجمال المتنوع، هناك نصوص جميلة محبوسة في قبو اللغات واللهجات المحلية في ظل الإهمال الواضح لتشجيع وكتابة تلك اللغات وإنقاذها من الاندثار. كثيرا ما أتساءل: لماذا نقرأ لغابريال غارسيا ماركيز وإيزابيل الليندي وغيرهما وهم يكتبون حكايات أميركا اللاتينية -نستمتع بها ونقدرها- وهنا في أنحاء السودان الكبير أخوة لنا قريبون منا لا نعرف تفاصيل حياتهم، ثم عندما تشتعل الحروب نتساءل بغباء لماذا نقتل بعضنا؟

 الآن بعد أن رحلت من السودان إلى جنوب السودان، ماذا عن الهوية، استيللا كتبت ذات مرة "صحوت من نومي ذات صباح ووجدت نفسي أجنبية"، هل تتنازعك أكثر من هوية؟

غالبا عندما أسأل عن مسألة الهوية تلك استحضر قول المفكر الرائع أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة"، أحس بأنني أملك هوية واحدة بانتماءات متعددة، فانا كنت سودانية أنتمي إلى جنوب السودان لدي قبيلتي بلغتها الخاصة، وكلما تدرجت في الحياة أتعرف على آخرين لهم انتماءات تختلف عني لكننا كلنا نكوّن الهوية السودانية المتفردة بأفريقيتها وعروبتها.

الانتماء العرقي والإثني شكل لي عقدة لأنه مثار لكثير من الجدل والمشكلات، والتعمق في هذه المسائل سوف يجلب واحدة من اثنين: إما الشعور بالدونية أو الإحساس بالاستعلاء وكل من الشعورين أسوأ من الآخر ومحصلتهما الصدام، الشعور بالدونية يجعل المرء قابلا للانفجار في أي لحظة ومستعدا للانتقام، بينما الاستعلاء يغري بالرغبة في البطش واضطهاد الآخر، دون مراعاة لإنسانية وخصوصية الآخرين.

والحقيقة أنا فخورة جدا لما أنا عليه الآن جنوب سودانية الجذور ولدي لغتي الخاصة التي أجيدها، سودانية شمالية بالميلاد والنشأة واكتسبت اللغة العربية وأجيد التحدث والكتابة بها أيضا دون أي تحسس أو مخافة الاتهام بالاستلاب، سودانية الوجدان، فهذه أنا صنيعة الظروف السودانية لم أختر كل هذا وليس لي فيه يد، رغم ذلك فإننا الآن على محك خيارات مؤلمة أهمها تحديد هويتنا، ولكن عندما تكون هويتنا الإنسانية سليمة حينها سوف تنمو وتزدهر أفكارنا في أي مكان وزمان ولن نكف عن الحلم بأن يسع العالم الجميع.

 توقفت عن كتابة القصة منذ زمن، هل هذا صحيح؟ ولماذا؟

هذا صحيح، من بين صفاتي السيئة أنني مقلة في الكتابة، وفعلا لوقت قريب كانت آخر نصوصي التي كتبت هو "كل شيء هنا يغلي"، وكتبته عام 2002، ولكن بعد ذلك وأنا في جوبا كتبت نصين "أنا خائفة" و"عبق مهن"، والآن مرعوبة لكتابة رواية.
لكني أكتب في الصحافة، وهو لون من الكتابة وجدت نفسي متورطة فيه وهو السبيل الوحيد المتاح لي حاليا للتفاعل اليومي مع قضايا الوطن والمجتمع وعرض الآراء والأفكار وهي طازجة، وهذا النوع من الكتابة محرقة للأفكار والإبداع، وقد خصم مني الكثير وأفقدني الصبر على الكتابة الإبداعية، ولكنها تجربة لها أهميتها بالطبع.

 أنت الآن بأكثر من ذاكرة، كيف تنظر استيللا الكاتبة لهذه الوضعية؟

هذه صفة اعتبرها ثراءً وربما تجلب لي حسد زملائي الكتاب، عندما كنت في الخرطوم كتبت عن جنوب السودان بذاكرة سماعية، والآن أتيت للجنوب وأحاول أن أصنع تلك العلاقة بيني وبين الأرض والمطر والغابات والناس لأجد موضعا لجذوري المقلوعة تواً من أرض لم تعد تخصني الآن حسب الدستور، كان السودانان أرضا واحدة، وعندما كانت الحروب تشتعل في الشمال كان الناس يلجؤون للجنوب والعكس صحيح.. هل من جنون أكثر من هذا؟

عدد كبير من المبدعين في جنوب السودان لا يعرفون بعضهم لأن كلا منا أتى من مكان مختلف في الشمال أو من دولة أخرى أفريقية أو أوروبية، وهناك حاجز غير مرئي بين المبدعين الذين يبدعون باللغة العربية والآخرين الذي يكتبون بالإنجليزية

 ماذا عن المبدعين في دولة جنوب السودان الآن، هل هناك كيان يجمعهم: رابطة، أو إصدارة، أو أي كيان آخر، وما أجناس الإبداع التي تسود: القصة أم الشعر أم المسرح... إلخ؟

شخصياً أحس باليتم والوحدة القاسية والإهمال، حقيقة أنها دولة وليدة، الكل في عالمه، ليس هناك ثمّ ما يجمع الناس، الفنانون الذين كانوا يحسون ببعض الاهتمام في الشمال تم إهمالهم تماما في الجنوب ولا ندري هل هذا بقصد أو لعدم معرفة، كما أن عددا كبيرا من المبدعين لا يعرفون بعضهم لأن كلا منا أتى من مكان مختلف في الشمال أو من دولة أخرى أفريقية أو أوروبية، وهناك حاجز غير مرئي بين المبدعين الذين يبدعون باللغة العربية والآخرين الذي يكتبون بالإنجليزية.

وعن الكيان، هناك كيان يجمع الكتاب ولكن هناك الكثيرين خارجه بسبب أننا -ككتاب جنوب السودان- لا نعرف بعضنا حتى الآن، ثم أنه لا توجد مطبعة ولا دار نشر.

أما أجناس الإبداع السائدة، فهناك القصة والشعر وهذان اللونان يسودان بسبب سهولة النشر في الصحف، أما المسرح فهو موسمي رغم انتشار الكثير من المجموعات والفرق المسرحية من المحترفين والهواة، ولعل من أكبر الإنجازات المسرحية حتى الآن هو ما قامت به فرقة "مسرح جنوب السودان" التي ترجمت مسرحية "سمبلين" لشكسبير إلى ما يعرف بـ"عربي جوبا"، ومثلت جنوب السودان في الخارج، المرة الأولى كانت في الهند على نفقتهم الخاصة، والثانية في مسرح شكسبير في لندن على نفقة الفعالية وهى ذكرى مسرح شكسبير العالمي.

 أخيرا، ماذا تقول استيللا لأصدقائها وزملائها وزميلاتها من المبدعين في السودان؟

شكراً لكم، لقد ولدت بين أيديكم، سقيتموني السماحة والتسامح، علمتموني أن بإمكاننا حمل الأوطان كحلم قابل للتحقق في أي مكان وأي زمان، والآن أنا هنا -في جنوب السودان- لن أخذلكم، أعمل بكل طاقتي من أجل غد أفضل لقومي ووطني، وكما تقولون دائما إنني في قلوبكم فأنتم كذلك رغم أن بعدكم يُشعرني باليتم والحنين ولكن لا طريق آخر سوى المضي قدما، أتمنى لكم الخير، وكونوا على قيد الكتابة.

المصدر : الجزيرة