حاوره في صنعاء-عبد الغني المقرمي

تعيش الدراما اليمنية بمفرداتها المختلفة أزمة حقيقية تشمل جميع أطوار الإنتاج الدرامي. وتزداد وتيرة هذه الأزمة بشكل صادم، فبعد أن كانت هذه الدراما قبل عقود من الزمن تبحث لها عن شرعية جماهيرية، أصبحت اليوم تصارع من أجل البقاء لا أكثر.

في هذا الحوار نستعرض مع الفنان والمخرج اليمني نبيل حزام جملة من القضايا ذات العلاقة بواقع الدراما اليمنية:

 أليس من المفارقات العجيبة أن نتحدث عن أزمة في الدراما اليمنية بعد أكثر من نصف قرن عن قيام الثورة الجمهورية التي من ضمن أهدافها رفع مستوى الشعب ثقافيا؟

- بل هي مفارقة ذابحة بكل ما تحمله الكلمة من مدلول، ومن المؤسف أن نتحدث بهذا الوجع عن هذه الحالة من التعثر. واللافت في هذه المفارقة أنه يفترض في العمل الدرامي لدينا أن يبدأ ضعيفا، ثم يقوى ويشتد حتى يصل إلى مرحلة الرشد.

لكن الحاصل أن البدايات التي احتضنتها مرحلة سبعينيات القرن الماضي كانت أقوى بكثير من واقعنا الدرامي اليوم، لأنها أسست لرسالة فنية بحرفية عالية -وخاصة في المسرح- وضعت كثيرا من المواهب الفنية على المحك، واحتضنتها صقلا وتأهيلا وتقديما للناس، ثم بدأت مرحلة التراجع التي أفضت اليوم إلى مآلات موجعة تتبدى في العوز النوعي والكمي لمختلف الأشكال الدرامية.

 أين مكمن الأزمة؟ هل هي أزمة نص، أم قدرات، أم تمويل؟

- لدينا في كتابة النص الدرامي أسماء رائعة، وفيما يخص القدرات الاحترافية ثمة طابور عريض ممن نُحتت تجاربهم الدرامية على خشبة المسرح باعتباره أبا الفنون، لكن الإشكالية تكمن في وجود نظام سياسي يخشى المسرح، لأنه العين الكاشفة لكل مظاهر القبح السياسي والاجتماعي.

وبحسب علمي فإن وزارة الثقافة في الحكومات المتتابعة لم تُعن بتخصيص أي ميزانية للمسرح.

أضف إلى ذلك وجود حرب طاحنة موجهة ضد المسرح، ابتداء بتغييب المسرح المدرسي بعد أن كانت كل المدارس -وخاصة الثانوية- تمارس أنشطة مسرحية، وانتهاء بالإقصاء الواضح للفن المسرحي الذي تديره مؤسساتنا الثقافية على مرأى ومسمع.

حزام: هناك طابور بأروقة الدراما اليمنية
لم يتربَّ على الأخلاقيات الاحترافية
(الجزيرة نت)

 ماذا عن نظرة المجتمع اليمني لرسالة الفنان، ألا تزال مشوبة بكثير من المحذورات الدينية والاجتماعية؟

- لا أنكر أن مثل هذه النظرة موجودة، لكنها نسبية وقابلة للتغيير إذا توثقت العلاقة بين الفنان والجمهور، ولدينا تجارب ناجحة في هذا المجال. وفي فترة سابقة استطعنا أن نقترب كثيرا من الجمهور، حتى اقتنع بالوصول إلى شباك التذاكر، بعد أن كانت العروض تقدّم مجانية لفترة.

ربما يعيش بعض اليمنيين قطيعة مع الفن والفنانين عموما نتيجة التصورات الخاطئة، لكن صدق الرسالة ونبل الهدف كفيلان بإزالة جليد هذه القطيعة، خاصة حين يلامس الفنان هموم جمهوره، فيتحدث عنهم، ويستطيع إقناعهم بأن المسرح ليس شأنا ترفيهيا فقط، وإنما هو جانب مهم في حياتهم يجدون فيه مرآة لتفاصيل حياتهم، وحاملا لمشروع التغيير الذي ينشدونه، ونحن إنما نعمل على ذلك بكل ما أوتينا من جهد.

وفي اعتقادي، لو أن قادة الدولة لديهم ما يكفي من الوعي بأهمية هذا القطاع الثقافي، فإن واقع الفن الدرامي عموما والمسرحي بوجه خاص كان سيكون أحسن حالا.

 ألا يصح القول بأن انصراف الجمهور اليمني عن المسرح جاء بدافع عدم الحاجة إليه، خاصة أن أوقات العرض المسرحي لا تناسبه، فهو يتعاطى القات عصرا، ثم يعيش دوائر الساعة السليمانية بعد رمي القات، ثم ينام مبكرا؟

- القول بأن الجمهور اليمني ليس بحاجة إلى المسرح فيه بعض التجاوز، وفي اعتقادي أن المسرح إنما سمّي أبا الفنون لاقترابه أكثر من غيره من الجمهور، والتصاقه به.

أما تعاطي القات فلا أعدّه مانعا معتبرا، فبإمكان متعاطي القات حضور المسرح، كما حدث في فترة التوهج حين كان الجمهور يحضرون العروض عصرا دون موانع تذكر.

بل إن مجموعة من الفنانين في فترة سابقة خاضوا تجربة ناجحة سموها "مسرح المقيل"، قدموا فيها عروضا مسرحية في بعض جلسات المقيل، لكنَّ مثل هذه الجلسات -على ما فيها من تواصل- لا تمثل قنوات فنية مفتوحة، وقطعا تفتقر إلى أدوات العرض المسرحي من ديكور وإضاءة، وما إلى ذلك من لزوم العمل المسرحي، فهي وإن نجحت، يظل نجاحها نسبيا ومحدودا.

 في الدراما التلفزيونية تحديدا، كيف لها أن تحقق حضورا معتبرا لدى الجمهور اليمني والعربي أيضا، وثمة مقارنة في ذهن المتلقي بينها وبين الدراما السورية والمصرية بطبيعة الحال ليست لصالحها؟

- لا شك أن الدراما المصرية أو السورية تمثل نماذج فنية ناضجة جاءت من أرض خصبة ولادة، لكنّي أؤكد لك أن الدراما اليمنية وبإمكانياتها المتواضعة قادرة على تحقيق حضور لافت، شريطة أن يحكمها العمل الاحترافي، وألا تسمح بتسلل الدخلاء إليها، سواء أمام الكاميرا أو خلفها.

فثمة طابور عريض في أروقة الدراما اليمنية لم يتربَّ على أخلاقيات الدراما الفنية والاحترافية، ولم يتشرب قيم الفن. ومع اعترافي بوجود نماذج للدراما الغوغائية بسبب إسنادها إلى أسماء لا علاقة لها بالعمل الدرامي، فإني أؤكد أن ثمة نماذج متوهجة قدّمتها الدراما اليمنية ولقيت قبولا واسعا، سواء داخل اليمن أو خارجها.

كما أن الدراما اليمنية لها خصوصية الطرح، فنحن نعالج فيها قضايا متصلة بالمجتمع اليمني، كالثأر، وغلاء المهور، والإرهاب، وفي ذلك تفرد مقنع للمشاهد.

المصدر : الجزيرة