إبراهيم صموئيل*

هل يستاء الكاتب من إعجاب القراء بعمل أدبي محدّد له، ومعاودة ذكره غير مرة في كل أمسية وندوة وجلسة أصحاب، لدرجة أنهم يقرنون اسم الكاتب باسم الكتاب، أو يغالون أكثر فيحذفون اسم الكاتب مكتفين بالإشارة إلى أنه "صاحب رواية كذا" و"مؤلف مسرحية كيت"؟!

ومن حيث يُفترض نظرياً أن يُسعد الكاتب جرّاء اشتهار عملٍ له، وانتشار صيته إلى درجة يغطي فيها اسم العمل على اسمه الشخصي، فإنه عمليا يثير حفيظته، ويُشعره بحيف صريح لا على حقه الشخصي، وإنما بحق أعماله السابقة والتالية في الصدور على العمل القرين لاسمه!

أذكر -على سبيل المثال- أن رواية "الوباء" للكاتب السوري هاني الراهب جذبت إليها حين صدورها عام 1981 اهتمام النقاد والقراء على السواء، بل وظل الاحتفاء بها والإشارة إليها وذكرها كلما ورد اسم المؤلف سارياً في الأوساط الثقافية السورية، مما أدى بالضجة الكبيرة تلك ليس إلى إسعاد المؤلف, وإنما إلى إغضابه وإخراجه عن طوره.

حدث ذلك حين عقدنا جلسة ودعونا إليها صديقنا الكاتب -وفق تقاليد زمنٍ ثقافي ولّى عهده الآن- للحوار معه في روايته الجديدة الصادرة بعنوان "بلد واحد هو العالم"، فأجمعنا -من غير أي تواطؤ وبعد حديث مطوّل- على أن روايته الأسبق "الوباء" هي العمل الأقوى والأهم والأبرز والتي أعجبتنا كثيراً، ففوجئنا بصديقنا الكاتب -ولشدّة غضبه- ينفجر شاتماً تلك الرواية, ولاعناً يوم كتابتها، وساعة أصدرها, إذ باتت شبحاً و"قريناً" يلحق به في كل مجلس أدبي، أو كل دراسة تتناول أعماله، واصفاً إياها بالسخف والسطحية على غرار المعجبين بها، وفق تعبيره!

ضيق الكاتب واستياؤه لن يغيّرا من معادلة عسيرة ملتبسة، وهي أن تراكم الخبرة الإبداعية للكاتب ونضجها, لن تعني -بالضرورة- مُنجزاً إبداعياً يخطف الألباب، ويستحوذ على الاهتمام

وحينها، عبثاً حاولنا "الدفاع" عن روايته "الوباء" ببيان أسباب إعجابنا بها وتفضيلنا لها، واستمرار أثرها فينا، إذ راح صديقنا يؤكد أن روايته الجديدة "بلد واحد هو العالم" أو أي عمل له صدر بعد "الوباء" أهمّ منها بما لا يُقاس.

وفي الواقع، فقد قدّرنا آنذاك دوافع سوْرة غضب صديقنا الروائي، وشعوره العميق بأن أعماله الأخيرة قد غُبنت حقها جراء الظل الثقيل لرواية "الوباء" والذي استطال وتفشى، غير أننا -بالمقابل- وقعنا في حيرة شائكة إزاء السبيل الذي يُمكّننا من تخفيف إعجابنا الصميم بتلك الرواية العتيدة على غرار الكثيرين غيرنا!
 
ومرة أخرى، هل حقاً يُسيء إلى الكاتب إعجابُ قرّائه بعملٍ محدّد له، دون غيره من الأعمال السابقة على "العمل المحبوب"، أو اللاحقة على صدوره؟! وهل تراه يَغضب الكاتبُ من حالٍ كهذه لأنه يرى فيها انعكاساً لبلادة ذائقة القارئ، وربما عجزها عن الارتقاء إلى المستوى الفني الرفيع الذي وصلت إليه أعماله الجديدة؟!

في الغالب، يضيق الكاتب من تركيز القراء والنقاد على عمل بعينه ودورانهم حوله، وذكره على الطالع والنازل, ذلك أن عبد الرحمن منيف كتب روايات غير "مدن الملح"، وللطيب صالح أعمال عديدة غير "موسم الهجرة إلى الشمال"، ومنجز حيدر حيدر الأدبي يضم أعمالاً لا تقل أهمية إبداعية عن "وليمة لأعشاب البحر"، وكذلك فإن "الخبز الحافي" ليست رواية محمد شكري اليتيمة, ولا شك أن علاء الأسواني بذل الكثير من العناية والجهد في غير "عمارة يعقوبيان"، وفي السياق نفسه تحيّر محمود درويش يوماً حين هبّ الحضور الحاشد في أمسية له على مدرج جامعة دمشق, يطالبه وبصوت واحد هادر أن ينشد القصيدة المعتقة إياها "سجّل أنا عربي"، دون أن يتمكن شاعرنا من إقناعهم بالعدول عن مطلبهم.. فأنشد!

بيد أن ضيق الكاتب واستياءه، وحتى غضبه العارم، لن يغيّر من معادلة عسيرة، شائكة، ملتبسة، وهي أن تراكم الخبرة الإبداعية للكاتب ونضجها, والتجربة الحياتية المديدة التي يعيشها، والجهد المبذول في إنشائه لعمله، لن تعني -بالضرورة- مُنجزاً إبداعياً يخطف الألباب، ويستحوذ على الاهتمام، ويبقى في ذاكرة القارئ وعلى لسانه!

ثمة كتّاب -وإنْ كانوا قلة قليلة- لا يضيرهم البتة أن يبرز عملٌ معينٌ لهم أكثر من أعمالهم الأخرى، ويمسي جراء ذلك قريناً لأسمائهم، إذ يرون في ذلك حقاً للمتلقي لا موجب للاعتراض عليه

والعكس صحيح، إذ قد يُنْجَزُ عملٌ أدبي على عجالة ولأسباب نفعية, فيشكّل علامة في مسيرة الكاتب، وهو ما حدث مع شاعر اعترف صراحة بأنه حين قرأ إعلاناً عن مسابقة للرواية، وعلم أن الفترة المتبقية محدودة، انكبّ بكليته على الكتابة، إلى أن أنجز -خلال أيام- رواية، فشارك بها ونال الجائزة، ثم بات معروفاً لدى القرّاء بأكثر مما عَرَّفتْ به أعماله الشعرية.

بالطبع، ثمة كتّاب -وإنْ كانوا قلة قليلة- لا يضيرهم البتة أن يبرز عملٌ معينٌ لهم أكثر من أعمالهم الأخرى، ويمسي جراء ذلك قريناً لأسمائهم، إذ يرون في ذلك حقاً للمتلقي لا موجب للاعتراض عليه، إضافة إلى صعوبة تشخيص وتعيين الأسباب في سرّ تحقق الجاذبية والشهرة والاستقطاب لعمل أدبي ما دون غيره.

غير أن المسألة تبقى مثيرة للاهتمام, وحافزة على التأمّل, وموجبة للتساؤل, إذ طالما أمل الكاتب أن ينال عمله الذي يعكف على كتابته التميّز والاهتمام والإعجاب والعناية البالغة من القراء والنقاد على حد سواء, حتى إذا ما تحقق ذلك وفاض عمّا رسمه له الكاتب وحدّد حدوده, ساءه التزيّد, وضاق من فيضه, ثم ثار ضده وعليه!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة