توفيق عابد-عمّان

وقّعت أمس التشكيلية القطرية أمل العاثم كتابها "أمل العاثم .. فنانة تعشق القمر" في غاليري الأورفلي للفنون بالعاصمة الأردنية عمّان، وتُعد العاثم أبرز الوجوه الفنية لبانوراما الفن المعاصر في قطر، ومصدر إلهام لنظرائها الشباب ونموذجا مشرقا للعزيمة والمثابرة بأعمالها ورسالتها الفنية.

وتعبر لوحاتها عن أفكارها وأعبائها كامرأة وإنسان، وتخترق تساؤلات النساء الخفية عن التهميش والضعف لتصوير الأذى ورسم صورة مكتملة عن كينونتها.

وتحمل العاثم شهادة جامعية في التربية الفنية من جامعة قطر، وأقامت 52 معرضا فنيا في عواصم عربية وأجنبية ونالت 12 جائزة وشهادة تقدير.

 العامري: أعمال العاثم تكشط الرماد لتثير أسئلة تكاد تكون محرمة (الجزيرة)

رحلة ريشة
وأمام عدد كبير من نظرائها والمهتمين بفن النخبة ورجال الصحافة والإعلام، عرضت التشكيلية القطرية في كتابها المؤلف من 208 صفحات من القطع الكبير والصادر عن "دار الأديب"، تجربتها الذاتية وهموم المرأة العربية عامة والخليجية خاصة من خلال الريشة واللون، فلوحاتها تمثل خلاصة تعبيرية لأحلام الإنسان وطموحاته وحصانة جمالية ضد الغياب والهزيمة.

وتتناول أعمالها المفاهيم الاجتماعية والثقافية ذات العلاقة بالمرأة، وقد استقت العباءة مسرحا متنقلا تعزف في داخله نشيدها وتقدم رسالتها للعالم وجزءا أصيلا من الزي الخليجي لتصوغ تنوعا، منبعه المثل الدارج "اختلاف أصابع اليد الواحدة رغم انتمائها لجسد واحد وروح واحدة".

وفي تقديم كتابها -الذي ضم مئات اللوحات الفنية والتركيبية والنحتية- قالت إنه لعبة بوح ومكاشفة لريشة تعلن عن خروجها من الكهف السري بكل ما تحمله من معان لمشاعر وأحاسيس الفنان، لتمسك خيط الشمس وتعيد تشكيل مناطق النور، كما أنها رحلة ريشة محملة بأصدق معاني الحقيقة تجدف مراكب ألوانها وتعبر من خليجها إلى خارج الأمكنة والأزمنة التي تحيل الفنان للبراءة الأولى.

أسئلة محرمة
وفي مداخلته رأى الناقد التشكيلي محمد العامري أن أعمال العاثم تكشط الرماد، لتثير أسئلة تكاد تكون محرمة، وهي بداية لثورة معرفية في ارتكاب الحياة بمفهومها الواسع، فالعباءة في مشروع الثوب هي ليله التي تعيش في واقع اجتماعي يضن عليها الكلام والتعبير عن مساحة الحرية الشخصية. ويتابع أن العباءة مصممة لإخفاء الجسد بكل مكوناته الإنسانية كمعنى يجب الحذر منه.

ولاحظ العامري غياب أي شكل ذكوري واهتمام بالمرأة المتطاولة بجسدها لتبدو أكثر إجلالا وارتفاعا كقيمة اجتماعية وظهور نساء كأشكال مطأطئة منحنية ومنكسرة، لكننا نقرأ حالة انفعالية متمردة في الحركات المحيطة بالأشكال الإنسانية.

أما المكان -حسب العامري- "فإنه المتخيل المستند لواقعيته من ذكريات وتفاصيل جمالية، وهو جغرافيا التخييل وتثوير المسكوت عنه، أمكنة مشبعة بالخيال لكنها لا تنفصل عن وجودها الواقعي كتاريخ وذاكرة كما أنه -أي المكان- في أعمال الفنانة ليس كابوسيا بل حياة تحفزنا لاكتشاف أحلامنا مخبأة في تفاصيل الظلال، فالعاثم تحترف التجريب لتقول كلمتها عبر أكثر من وسيط إبداعي".

وأشار بهذا الشأن لعملها الفيديو أرت "من الظلام إلى النور" الذي يطرح قصة خليجية تخرج من ظلمات البحر والأمواج العاتية، ليبرز أهمية الإصرار لتحصيل الحقوق، فتخطى المرأة السور باتجاه النور هي المسافة بين الجهل والمعرفة، بين التخلف والعبودية، بين التحضر والخروج إلى النور.

كما تنبع أهميته كونه من امرأة تشهد وتحس معاناة بنات جنسها في عالم محكوم بقيم آلية لا يمكن قبولها في العصر الحديث ويعد نموذجا لثورة الذات على واقع بائس.

بدوره ارتجل الشاعر القطري راشد الغفلي قصيدة قصيرة بالمناسبة حيى فيها الفنانة العاثم والجهة المنظمة والحضور.

غلاف كتاب "فنانة تعشق القمر" (الجزيرة)

غير منحازة
وفي حديثها للجزيرة نت، قالت العاثم إن تجربتها تمحورت حول الإنسان وعلاقته بالزمان والمكان ودور المرأة في الكون من خلال معالجة أفكارها بتوظيف اللون والفراغ، مستلهمة شخوصا وهويات لنساء في حالة من التيه والفقدان يبحثن عن الخلاص خارج ذواتهن، والبيوت التي تظهر دائما بلا ملامح هي حالة تتويج لحالة حوار وبحث مع النفس والذات داخل الذات.

وتابعت أن تجربتها تتعانق مع الموسيقى والشعر والتشكيل لصياغة مشهدها النفسي والجمالي، ففي قلب المشهد الاجتماعي والثقافي وأسئلة الوجود بين أقواس الألم والأمل في محاولة لترويض مارد الفن الذي يفلت من عقاله ويفقد السيطرة عليه.

ولفتت العاثم إلى أنها تحاول "إمساك الشيء الدفين الذي يقع بين التحرر والتمسك بالعناصر والتقاليد الاجتماعية في بلدنا والرغبة في الانطلاق نحو عوالم جديدة تكسر حالات الازدواجية التي نحياها في مجتمعنا العربي".

وعما يشاع عن انحيازها للمرأة، أجابت العاثم أن نساءها يقطفن ثمارهن بما نسجت أيديهن رافعات الرأس بلا انكسار، وتشير إلى أنه في أعمالها الفنية تجد نساء منكسرات، لكن بالأسباب تحفزهن بالقوة والصمود وشحذ هممهن ليحلقن.

ودافعت عن نفسها بالقول "لست منحازة للمرأة، لكنني أريد تسليط الضوء على أهميتها والقدرات الكامنة في هذا المخلوق اللطيف ليس ضعفا بل فسيولوجيا، فقد أعطاها الله تعالى الجمال جسديا وروحيا ومصدر قوة كبيرة باعتراف العلماء أن المرأة تتحمل الألم والجهد في خدمة مجتمعها".

لكنها استدركت أن المرأة بدون رجل لا تستطيع أن تسير خطوة وتستمد منه قوتها نفسيا واجتماعيا، واعتبرت المرأة العربية ضعيفة تقف وراء ستار العادات والتقاليد.

المصدر : الجزيرة