إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

عزز الكاتب المغربي محمد غرناط حصيلته بمجموعة قصصيّة صادرة مؤخّرا، عن دار الأمان، اختار لها من الأسماء "معابر الوهم". وقد تضمنت المجموعة 12 قصة قصيرة، توزعت على مدى 135 صفحة من الحجم المتوسط، وجاءت عناوينها كالتالي: (النمر الأفريقي- القناص- لون الماء- الحسناء والعجوز- كاليفورنيا- جناح ذبابة- لقاء متأخر- معابر الوهم- الرجل الذي أحب أهله- ليلة في فندق سندباد- المتشرد- الطفل).

وتسلط المجموعة القصصية الضوء على الإكراهات الاجتماعية التي تخلخل العلاقات البنيوية التي تلحم النسيج المجتمعي، وتظل تطارد بإصرار العتمات الداكنة التي تجثم بكلكلها على الفرد والمجموعة، فتسهم في تمزيق العلائق البشرية التي تشكل القيم الأصيلة لحمتها الضامة.

وإذا كانت القصص المتضمنة في هذه المجموعة تسعى إلى التركيز على قضايا معينة، فتعالجها وفق منطق سردي يتخذ من السخرية والمفارقة أسلوبين لنقد الوضع السائد، فإن الكاتب حرص ما أمكن على أن يترك مسافة بينه وبين عالم النص، لينمو وفق سيرورته الخاصة، وتبعا للتفاعل الحاصل بين الشخوص والأزمنة والأمكنة، دون تدخل منه.

وهذا هو ما جعل المنجز القصصي يخلو من الانتهاك الذي تمارسه الذات على محكيّها، في أعمال القصاصين المغاربة الجدد، حيث تصير الكتابة مفعمة بالذاتي أكثر من اللازم، فتتيه في مفاصل السير-ذاتي، وتبتعد عن معالجة الأسئلة العامة التي تقض مضجع المجموعة البشرية التي ينتمي إليها الكاتب، فتجد لدى المتلقي نفورا وعدم تجاوب.

يغوص الكاتب في القاع المجتمعي، مشخصا الأسلوب الذي تدار به العلاقات الاجتماعية، وواصفا النسيج الذي تنتظم وفقه العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، موضحا أن التقاليد هي ما يستحكم في النفوس، ويؤطر سلوكياتها

قضايا المحكيّ
تنتمي موضوعات القصص إلى ما يصطلح عليه في الأدبيات النقدية بـ"السرد العائلي"، فأغلب المحكيّ يخترق البيوت، ويستغور الخصوصيات المجتمعية، خاصة المشكلات العميقة التي تمزق النسيج المجتمعي مثل العنف، وسوء الفهم، والفقر والحاجة، والبحث عن الزوج، والتداوي بالأعشاب، والخرافة، والسحر والشعوذة، ومعاناة المرأة داخل مجتمع ذكوري.

يغوص الكاتب في القاع المجتمعي، مشخصا الأسلوب الذي تدار به العلاقات الاجتماعية، وواصفا النسيج الذي تنتظم وفقه العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، موضحا أن التقاليد هي ما يستحكم في النفوس، ويؤطر سلوكياتها.

وفوق ذلك، فهو يمرر خطابه النقدي لهذه الممارسات التي تسود مجتمعه الذي يعيش فيه، من خلال المفارقات الساخرة التي تتخلل المحكي، والنهايات التي يختتم بها القصص، إذ يعمد إلى توريط الشخصيات في برامج سردية واهية، لا تستند إلى أسس قوية، فتتحول من خلال المجازفات من أجل تحقيقها، إلى أوهام سرابية سرعان ما تكشف للشخصية عن سوء اختيارها، الذي كان ينبني على الظن.

إنها نهايات يائسة ومحبطة، إذ إن كل الشخصيات تفشل في معانقة أحلامها، لأنها تؤسس مسار عملها على الأوهام، وتقتفي أثر المؤشرات المموّهة، فيجدون أنفسهم في آخر مساراتهم فاشلين، مكبّلين بحصار أخطائهم وسوء اختياراتهم، سواء بالنسبة للرجل أو المرأة.

ويظلون ما تبقى من أعمارهم يلوكون خساراتهم وخيباتهم، نادمين على عدم استعمالهم منطق العقل في تدبير وضعياتهم الاجتماعية والإنسانية.

ينصرف الكاتب إلى الواقع المعيش، وإلى العلاقات المجتمعية، ناهلا منهما مادته القصصية، إلى درجة أن القصص، بحكم رهانها على النسيج المجتمعي، وإشكالاته، وانعكاسهما على الفرد والمجموعة، تضحي مشاريع روايات قابلة للتوسع

كتابة محافظة
يظل الكاتب محمد غرناط -من خلال هذه المجموعة القصصية- وفياً لنهجه في الكتابة السردية المرتهنة إلى الحفاظ على الخصوصيات المميزة للجنس الأدبي، ومقومات القصة وفق ما حددته المرجعيات النقدية، فالقصص تخلو من الاجتهادات الخطابية التجريبية أو تكاد، مثلما أنها تتأسس على خطيّة تراتبية تستند على التطور السببي، ناهيك عن كون المسار السردي بطيئا بالمقارنة مع حجم النصوص، لكون السرد يتوقف أحيانا كثيرة، لفائدة الوصف المكاني والزماني.

وكذا الولوج إلى أعماق الشخوص لتفسيرها، وتحليلها. كل ذلك يتم بلغة ميسرة، لا تعذب القارئ في التواصل معها، والأكثر من ذلك أن الشخصيات التي تنشط عالم النصوص قليلة، لكن التفاعل بينها يكون متعلقا إلى درجة القرب العائلي.

ومع أن النصوص القصصية تستغرق صفحات كثيرة، لكن الكتابة السردية فيها تكون بسيطة، وسرعان ما يستطيع القارئ اختزالها في تركيبة مركزة.

وفي بعض النصوص، يجنح الكاتب إلى تقطيع النص الواحد إلى مقاطع سردية تتخذ كل واحدة عنوانا مستقلا، لكن هذا التقطيع، وإن كان يمزق الشكل ويقسم وعاء النص، فإنه لا يمس جوهر الدلالة العامة، بل تعتبر تلك المقاطع توسيعا لبؤرة واحدة، وتمديدا لها، على أمل أن تعيد القراءة نسج الملامح والمفاصل، ولمّ الشتات.

تُروى النصوص بضمير الغيبة لتعطي المسافة الضرورية بين العالم المحكيّ وكاتبه، الذي يظل يتنصل، من خلال الأسلوب الاحترازي الذي يسلكه بعيدا عن الإغراق في السير-ذاتي والجواني، فبدل أن ينكفئ الكاتب على الذات، ويطل على عوالمها الداخلية من خلال وضع تجربته الشخصية أمام القارئ، فهو ينصرف إلى الواقع المعيش، وإلى العلاقات المجتمعية، ناهلا منهما مادته القصصية، إلى درجة أن القصص، بحكم رهانها على النسيج المجتمعي، وإشكالاته، وانعكاسهما على الفرد والمجموعة، تضحي مشاريع روايات قابلة للتوسع.

المتون في هذه المجموعة تستمد معطياتها السوسيولوجية من مرجعية مغربية يخبرها الكاتب، ويعيش تفاصيلها اليومية، فالشخصيات مغربية حد النخاع، وإن اختار لها من الأسماء أحيانا ما يندر العثور عليه في بيئة مغربية (مثل: باسم، نهلة، عنان، ليندا البابلي، يعقوب، باخوس، ريهام، حسنية، حناوي، بصير، جاكي، تودة، بوريم، ميسم، ريمة، سمر، بزاز...)، ولعله يفصد بذلك محاصرة التنويع البشري والثقافي الذي يحضنه النسيج المغربي الذي تتعايش فيه المشارب والأطياف الثقافية. ناهيك عن كون الأفضية التي تؤطر العلاقات والوقائع تظل مغربية في أغلبها، وبالأخص فضاء الدار البيضاء، التي يكن فيها الكاتب وتسكنه.

المصدر : الجزيرة