محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

شهدت مدينة بورتسودان السودانية على البحر الأحمر فعاليات جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع للمرة الأولى بالمدينة التي قضى فيها الأديب الراحل سنوات عمره الأولى.

واحتضنت قاعة السلام بالمدينة ندوة بعنوان (الطيب صالح في بورتسودان، سنوات التكوين والانفتاح على الآخر) التي نظمتها أمانة الجائزة لاستذكار هذه المرحلة من حياة الأديب الراحل بالمنطقة الساحلية التي هاجرت إليها أسرته من قرية (كرمكول) بشمالي السودان، ودرس فيها المرحلة المتوسطة وشهدت بواكير تعامله مع الجاليات الأجنبية قبل الهجرة لبريطانيا والإقامة فيها لمدة خمسين عاما.

ويرجع محمد المهدي بشري -الأستاذ بالجامعات السودانية- تنظيم هذه الفعالية في مدينة بورتسودان التي تسمى عروس البحر لأهميتها في حياة الأديب الراحل وبهدف التواصل مع الكتاب خارج العاصمة.

وأكد أن أحد أهداف هذه الجائزة خلق حراك ثقافي وتحفيز المبدعين السودانيين، مشيرا إلى أن عدد الأعمال المشاركة في المسابقة هذا العام بلغت 708 نصوص في الضروب المختلفة مقابل 554 نصا في العام الماضي.

وتحدث الأمين العام لجائزة الطيب صالح العالمية الناقد مجذوب عيدروس عن تأثيرات إقامة الطيب صالح في بورتسودان خلال سنوات التكوين، وأشار إلى أن المدينة فتحت عينيه على اكتشاف الذات والانفتاح على الآخر.

اكتشاف الآخر
وذهب عيدروس إلى أن انتقال الطيب من بيئة كرمكول في شمالي السودان إلى شرقي البلاد جعلته يتعرف على إنسان الشرق بثقافته ولهجاته وسمات المدن الساحلية، والمصريين وأهل حضرموت الذين كانوا يقيمون بالمدينة ومكون آخر أكثر بعدا مثل الهنود والإغريق والإنجليز مما أفاد الطيب صالح في منجزه الإبداعي خاصة الرواية.

مجذوب عيدروس: ثقافة البحر كانت حاضرة في كتابات صالح (الجزيرة نت)

وأشار إلى أن صالح عايش ثقافة البحر في بورتسودان وزاوج بينها وبين ثقافة النهر، وتجسد ذلك لاحقا في خروج (بندر شاه) -في الرواية التي تحمل ذات الاسم- من الماء وهو أليق بالبحر من النيل، فهو رجل شديد البياض بينما على ضفتي النيل الذي يجري من الجنوب إلى الشمال أقوام أميل إلى السمرة والسواد من البياض.

ويضيف عيدروس أنه إلى جانب ذلك فهناك أساطير البحر المتمثلة في عرائسه وكائناته المختلفة في كتابات صالح، مؤكدا أن بورتسودان هي المحطة الأولي التي تدرب فيها الطيب صالح على التجاوب والاندماج في بيئة جديدة غير تلك التي ألفها في قريته.

تنوع ثقافي
ومعلوم أن الطيب صالح لم يكن مهتما بتدوين سيرته الذاتية، وكان يكتفي بالقول إن كتاباته هي التي تتولى تقديمه للناس، وأبان عيدروس أن صالح حينما كتب فيما بعد في (عرس الزين) عن احتفاء "معسكرات القرية المختلفة بحدث (العرس) كان يؤكد على فلسفته في الحياة بقبوله للتنوع الثقافي والتعدد العرقي.

وبحسب الناقد السوداني فإن صالح كان يقدم فهما مختلفا في نظره لعروبة السودان، وكان واعيا بهذه الجذور المتعددة الثقافات لشعبه، والتي أنتجت بتعايشها لقرون طويلة هذا السودان الذي تحسر الطيب صالح لأن سياسييه إبان الاستقلال قد أهملوا الدعوة لتسميته باسم (سنار)، وهي أجدر عند الأديب الراحل من تسميته الحالية، إذ إن الأولى كان لها رواق في الأزهر الشريف وفي أرض الحجاز المقدسة.

تجدر الإشارة إلى أن الطيب صالح لم يكتب مباشرة عن مدينة بورتسودان، ولكنها تغلغلت في صميم بحثه عن الذات واكتشافها، ويقول عيدروس إن بورتسودان هي مرحلة انتقال صالح من مرحلة الطفولة في القرية إلى سنوات التكوين وبداية النضج، وهي تجربة هائلة نقلته إلى أم درمان (المدرسة الثانوية) بوادي سيدنا، وإلى كلية الخرطوم الجامعية، وأن يكون معلما في مدينة رفاعة، ومتدربا بمعهد إعداد المعلمين في الدويم (بخت الرضا) ثم الإذاعة البريطانية بلندن، وهي "تجارب ثرة صقلت تجربته وقادته إلى دروب الإبداع".

المصدر : الجزيرة