توفيق عابد-عمّان

أقام المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في العاصمة الأردنية عمّان مساء أمس السبت نشاطا ثقافيا خاصا، بمناسبة مرور سنة على رحيل الفنان العربي رافع الناصري، الذي يعتبر من أهم فناني الحفر والطباعة على المستويين العراقي والعربي.

ووفق كتاب "رافع الناصري: رسام المشاهد الكونية" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر للشاعرة والناقدة العراقية مي مظفر، فإن أسلوب الناصري الفني كان واقعيا، لكنه عقب رحلته إلى برشلونة، حيث أصبح على التماس مع الأساليب الفنية الغربية الحديثة وتعرف على أمزجتها وثورة مفاهيمها وتحطيم الشكل والخروج على التقاليد المتوارثة، بدأ يتساءل من أنا؟ وماذا أريد؟ وكيف ألمس جوهر نفسي؟ فكانت القطيعة مع مرحلته السابقة حادة وحاسمة.

أما تجربته في الحفر والطباعة فقد استعارت من رسومه الواقعية عمق الخطوط وتحديداتها الصارمة للوجوه والأجساد، في تكوينات مجردة حرة يشكل الحرف العربي فيها عنصرا جوهريا في التكوين.

الشاعرة العراقية مي مظفر توقع ديوانها "غياب" (الجزيرة نت)

الجمال والحرية
وبحسب الكتاب الذي بيع خلال النشاط الثقافي، فقد انحاز الناصري للتجريد في استلهام موضوعاته وجاء اختياره نابعا من مخزونه الذهني وعشقه للأمكنة المنبسطة، وسعى لتجسيد قيم إنسانية مجردة كالجمال والحرية، لكن بعض أعماله خلال السنوات العشر الماضية عكست إحساسا عميقا بالوحدة والفجيعة فغدت ألوانه داكنة وانتشى بالأسود ليؤكد حضوره الطاغي.

وتخلل النشاط الذي حضره عدد كبير من أصدقائه وتلامذته، عرض فيلم قصير يسجل بالكلمة والصورة الناصري داخل مرسمه أثناء إعداد كتاب مُهدى للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، استوحى رسوماته من قصيدة "كوصف زهر اللوز".

وتحدثت أستاذة الأدب المقارن والفن بالجامعة الأميركية في بيروت، الدكتورة سونيا أتاسي، عن مشروع الناصري الفني وحياته في الستينيات والسبعينيات، وكيفية فهمه لشعر درويش واشتغاله عليه كموسيقى ضمن اللوحة كمقدمة لتأليف كتاب بهذا الشأن.

أسئلة كبيرة
كما عرضت أتاسي -وهي ألمانية الجنسية- ما أسمته "الدفاتر الفنية" التي تضمنت تجربة الناصري منذ شبابه، والأسئلة الكبيرة التي كانت تلح عليه حول الحياة والموت والحرب، وكيف واجه العلاقة بين الفن والحياة عقب ثلاث حروب هي العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، والاحتلال الأميركي لوطنه.

وتطرقت الدكتورة أتاسي لجماعة "الرؤية الجديدة" التي ظهرت عام 1969 وضمت مجموعة من الفنانين العراقيين، منهم: الناصري وضياء عزاوي وهاشم السمرجي ومحمد مهر الدين وصالح الجميعي، بهدف جمع الفن والتراث برؤية جديدة وأكثر تحررا، وتبني قضايا سياسية واجتماعية تهم المجتمع العراقي والعربي.

وخاطبت نخبة من المثقفين -غالبيتهم عراقيون- بقولها إن الناصري عمل مجموعات فنية للمتنبي وابن زيدون وبغداد و"يا دجلة الخير" للشاعر محمد مهدي الجواهري.

وخلال النشاط وقعت الشاعرة والناقدة مي مظفر ديوانها "غياب" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2014، الذي أهدته لزوجها "الناصري الحبيب والصديق والزوج".

وفي حديث خاص للجزيرة نت، اعتبر الفنان التشكيلي العراقي خالد وهل، الراحل الناصري من الظواهر الفنية في تاريخ العراق، وهو مؤسس الغرافيك وطرق الطباعة في معهد الفنون الجميلة في بغداد ومراكز فنية للمتخصصين بالحفر والطباعة في الأردن والبحرين.

وهل: الناصري كان دائما يستلهم الطبيعة ويوظفها في أعماله بذكاء (الجزيرة نت)

عاشق الطبيعة
وقال وهل الذي قدم نفسه كتلميذ للراحل، إن الناصري كان دائما يستلهم الطبيعة ويأخذ عناصرها ويوظفها في أعماله توظيفا فنيا ذكيا، وقد لعبت الألوان بتدرجاتها دورا كبيرا كعناصر أساسية في تجربته الفنية التي أكدت أن اللون والكتل والفضاء تخلق عملا فنيا متميزا.

وتحدث عن تأثر الناصري بطريقة الرسم الصيني التقليدي بحكم دراسته هناك، وتوظيفها بطابع وهوية عراقية، كما تحدث عن ذهابه إلى لشبونة لتلقي وممارسة تقنيات الطباعة الحديثة محققا بذلك طفرة نوعية على مستوى الأسلوب والتقنية.

وقال إن الحرب العراقية الإيرانية والحصار والاحتلال الأميركي وما خلفته من دمار، تركت أثرا كبيرا في أعماله وخاصة في لوحته "لا.. إنها الحرب قذرة" وقصيدة "تكريت"، مبينا أنه أشرف على معرض "خمسون عاما من الرسم والغرافيك" للفنان الراحل.

أما صديقه علي طالب، فقال للجزيرة نت إن الناصري فنان يحب عمله ويعطيه الوقت والاهتمام، افتقدناه كثيرا في قارب أبحر بعيدا.

في حين قال صديقه معاذ الألوسي الذي عاصر أعمال الناصري وخاصة عقب عودته من الصين، إنه عمل بتدرج الحرف والتجريد وخاصة في مجموعته الأخيرة "النهر"، واصفا تجربته بالرائدة لكنها تحتاج لتعقيب ودراسة.

ويذكر أن الناصري ولد في تكريت عام 1940 وتخرج في معهد الفنون الجميلة ببغداد وأقام عشرات المعارض الفنية في عواصم مختلفة. ومن كلماته في لوحته "رجل وامرأة": لا تلعن الظلام، أشعل شمعة، ثم ارسم رجلا وامرأة، في حالة حب، تستعد الحياة".

المصدر : الجزيرة