شادي الأيوبي

يعتبر كتاب "البلقان من الشرق إلى الاستشراق" مقاربة حية لواقع الدول البلقانية التي عاشت سحر الشرق خلال الحكم العثماني ثم انتقلت إلى سيطرة قوى أخرى لتشعر بحاجتها إلى إعادة اكتشاف هذا الشرق، سواء كمكون لحضارتها أو كعنصر غريب عنها.

ويعتبر محمد الأرناؤوط في مقدمة الكتاب -الصادر عن منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة (2014)- أن الإمبراطورية الرومانية بشقها الشرقي كانت المحدد الأساسي لتاريخ وحضارة البلقان، فيما شكلت الدولة العثمانية المحدد الثاني.

ويتحدث عن نهايات الوجود العثماني في البلقان، حيث جرى تداول عدة مشروعات، مثل فدرالية بلقانية للتخلص من الحكم العثماني والوجود البشري الإسلامي هناك على اعتبار أن مسلمي البلقان كانوا جزءا من التركة العثمانية فيها.

ثم يتحدث الكاتب عن ازدهار بلغراد في ظل الحكم العثماني كمدينة شرقية المعالم والثقافة شبيهة بدمشق، مع مئات المساجد والمدارس والحمامات والمكتبات، وكيف أخذ مسلموها لقب "أتراك" على أساس أنهم يعتنقون دين الأتراك، وهو ما تم استخدامه لاحقا للتخلص منهم.

عهد جديد
وعن البوسنة، يذكر الأرناؤوط أن معظم سكانها اعتنقوا الإسلام خلال قرن واحد من فتح محمد الفاتح لها بالكامل عام 1436، وذلك خلافا لسائر الأقاليم العثمانية، ثم عرفت ازدهارا ذا طابع شرقي واكتسب المسلمون فيها لقب "حرس الحدود" كونهم أقصى امتداد للدولة العثمانية في الغرب.

لم تمر الإصلاحات العثمانية بسهولة في البوسنة حيث رأى فيها البعض تشبها بأوروبا، وأدت محاولة إجبارهم على قبولها إلى مقتل ونفي الآلاف منهم، ثم تم الأمر بمحاولات من شيوخ دين وعلماء

لم تمر الإصلاحات العثمانية بسهولة في البوسنة حيث رأى فيها البعض تشبها بأوروبا، وأدت محاولة إجبارهم على قبولها إلى مقتل ونفي الآلاف منهم، ثم تم الأمر بمحاولات من شيوخ دين وعلماء ليبدأ عهد جديد مع مدارس وإدارات حديثة ومطابع وصلت البوسنة بأوروبا، غير أن هذه التطورات لم تؤد إلى المطلوب نتيجة الدعاية القومية الصربية والكرواتية.

ومع اتفاقية برلين عام 1878 انتقلت البوسنة عمليا إلى الإدارة النمساوية التي أخمدت مقاومة المسلمين لحكمها، لتصبح صلات هؤلاء بالشرق روحية فقط، ثم لتبدأ هجرتهم باتجاه المناطق الخاضعة للعثمانيين، مما دفع النمسا إلى التقرب منهم لإصلاح صورتها، خاصة أنها كانت تطمع في التوسع جنوبا حتى سالونيك وبدأت العمل بالولاية المزدوجة، وتقضي بنقل الحضارة الأوروبية إلى المستعمرات مقابل استثمار مواردها الطبيعية بالتوازي مع مساع ناعمة لفصل المسلمين عن الدولة العثمانية.

ومع انهيار إمبراطورية هابسبرغ وضم البوسنة إلى مملكة الصرب عاش المسلمون ظروفا قاسية محاولين الحفاظ على وجودهم وهويتهم.

كما ارتبطت السيطرة العثمانية على ألبانيا بنهضة عمرانية شرقية الملامح وثيقة الروابط بازدهار الأوقاف وانخراط الألبان في الهرمية الإدارية والعسكرية في الدولة، لكن الملك أحمد زوغو (1922-1939) ثم أنور خوجة غيرا تلك الملامح.

مع تحول البلقان نحو "الأوْرَبة" نشأ الاستشراق على يد رائدين من البوسنة، هما صفوت باشاغيتش (1870-1934) الذي درس التركية والعربية والفارسية، وفهيم بايراكتاروفيتش الذي بدأ بالدراسات العربية ثم انشغل بالفارسية والتركية وترك عملا مهما هو "تأثير الشرق على غوته".

مدارس الاستشراق
بقي الاهتمام بالشرق في مملكة يوغوسلافيا محدودا، ثم نشط مع يوغوسلافيا الفدرالية التي تميزت بعلاقات واسعة مع العالم العربي الإسلامي، وتأسس قسم استشراق في سراييفو منافس لقسم بلغراد، ثم قسم ثالث في بريشتينا عام 1973، كما اهتمت بلغاريا بالاستشراق بعد عام 1950، أما اليونان وألبانيا فقد تأخرت فيهما الدراسات الاستشراقية.

بقي الاهتمام بالشرق في مملكة يوغوسلافيا محدودا، ثم نشط مع يوغوسلافيا الفدرالية التي تميزت بعلاقات واسعة مع العالم العربي الإسلامي، وتأسس قسم استشراق في سراييفو منافس لقسم بلغراد

هكذا نشأت مدرسة سراييفو من مستشرقين اهتموا بالشرق كدراسة للذات مقابل مدرسة بلغراد التي تشكلت من دارسين على الطريقة الغربية اهتموا بالشرق كدراسة للآخر، وكانت أقرب إلى المركزية الأوروبية، كما ساهمت في تأجيج وتبرير مشروع ميلوسيفيتش (صربيا الكبرى).

ويقول الأرناؤوط للجزيرة نت إنه لم يعد هناك موقف عربي موحد من البلقان بحكم الظروف التي استجدت في المنطقة، ولم تعد هناك سياسة عربية واحدة تجاهها، بل إن الأمر يرتبط برؤية ومصالح كل دولة أو مجموعة إقليمية، وفي العقد الأخير تقدمت دول الخليج كثيرا بسياستها واهتماماتها باتجاه دول البلقان بتقديم المساعدات المختلفة والاستثمارات الكبيرة في مختلف المجالات (صناعة وسياحة وزراعة وطيران.. إلخ)، خاصة من قبل قطر والإمارات والسعودية والكويت.

أما نظرة الشعوب البلقانية إلى العالم العربي فلم تعد واحدة كذلك، وذلك بحكم تنوع المصالح وتمدد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، وبالتالي تتأثر النظرة إلى العرب بالصحافة البلقانية التي تعكس مصالح أصحابها وعلاقتهم بدول المنطقة (تركيا وإسرائيل.. إلخ)، حسب قوله.

وأضاف الأرناؤوط أن نظرة المسلمين للمنطقة ترتبط بالعلاقات التاريخية التي استمرت خلال الحكم العثماني، والعلاقات الجديدة التي ربطتهم بالعالم العربي خلال القرن العشرين مع حركة عدم الانحياز وغيرها، وهي تتأثر كثيرا بما يجري الآن في العالم العربي (الربيع العربي) الذي برزت فيه حركات ومرجعيات تتنافس على تمثيل الإسلام، كما يختم.

المصدر : الجزيرة