إبراهيم الحجري-الجديدة

احتضنت مكتبة إدريس التاشفيني للوسائط المتعددة في مدينة الجديدة المغربية أمس السبت، ندوة نقدية متخصصة تناولت بالتحليل والدراسة نصا روائيا جزائريا باذخا يتسم بثقافة متنوعة ونزعة فنية متفردة.

وسعت الندوة التي شارك فيها عدد من الباحثين والنقاد لتسليط الضوء على الرواية الجزائرية من حيث الشكل والمضمون، عبر تحليل أعمال الأديب الجزائري عز الدين جلاوجي الذي يعتبر واحدا من أهم الأسماء في حقل التجربة الأدبية الجديدة بالجزائر، والذي تتميز أعماله بروافد إبداعية مغايرة وغنية بالمرجعيات والدلالات.

تضمنت الندوة -التي نظمها صالون مازغان للثقافة والفن في الجديدة بالتعاون مع مكتبة إدريس التاشفيني وجمعية أصدقائها- ثلاث مداخلات تناولت تجربة جلاوجي الروائية من منظورات مختلفة ومقاربات متنوعة قرّبت الحضور من انشغالات الرواية الجزائرية الجديدة.

وقد أعد الورقة الأولى الباحث أحمد بلاطي وعنوانها "معارضة النوع الروائي في رواية الرماد الذي غسل الماء"، في حين قدم المداخلة الثانية الباحث إبراهيم العدراوي بعنوان "معالم البوح في رواية حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر".

أما المداخلة الثالثة التي أعدها الباحث عزيز بنار فتحمل عنوان "المقدس والمدنس في رواية العشق المقدنس". وأعقبت تلك المداخلات كلمة مفتوحة للأديب عز الدين جلاوجي تحدث من خلالها عن تجربته في الكتابة وخصوصياتها وانشغالات الجيل الجديد من الكتاب الجزائريين.

جلاوجي أثناء توقيع روايته الأخيرة
على هامش الندوة 
(الجزيرة نت)

زوايا متعددة
تناولت المداخلات تجربة جلاوجي الروائية من زوايا متعددة، إلا أنها توقفت في غالبيتها عند نقطة مشتركة تكاد تتخلل كل أعماله، وهي الهوس بالتاريخ، حيث تسعى كل الروايات المدروسة إلى استرجاع قرن من الزمن من تاريخ الجزائر في طعم سردي مشحون بالإثارة والدرامية وإعادة البناء التخيلي.

ولم تستعد متون الرواية وقائع وأحداث الصراع المرير مع المستعمر الفرنسي من بطون التاريخ الرسمي حسب ما ذهب إليه الباحث العدراوي، بل كان همها كتابة التاريخ الذي لم تقله الكتب والذي ظل محفوظا في الذاكرة الجمعية، في محاولة لملء الفراغات التي تعتور الرواية التاريخية الرسمية.

وقد عرف جلاوجي -تبعا لمداخلة العدراوي- كيف يعجن بذكاء ووعي خلاقين مادة إثنوغرافية وأنتولوجية وتاريخية تختزل فترة زمنية تمتد من بدايات القرن الماضي إلى عام 1945، ليضع أمام القارئ ملحمة سردية تتوزع على مدار قرابة ستمائة صفحة في رواية "حوبة"، ناحتا بذلك صورة الثورة الخامّ، كما دونتها قلوب الجزائريين ودماؤهم وذاكرتهم.

عز الدين جلاوجي:
إننا أمة لم تكتب تاريخها فنيا، لذلك بتنا نحسّ بالغربة في التاريخ، رغم كوننا أمة مهووسة بالزمن الماضي، ولا تستحضر المستقبل إلا في اللحظات النهائية

استحضار التاريخ
ويستوقف الباحث عزيز بنار الهوس بالتاريخي نفسه في رواية "العشق المقدنس" من خلال استحضاره لتاريخ واحدة من الدويلات التي تعاقبت على حكم الجزائر ومعها الغرب الإسلامي، وهي دولة بني رستم. وكان الهدف من استحضار التاريخ هنا -حسب بنار- إبراز الصراع بين المقدس والمدنس، والاجتماعي والسياسي، والديني والدنيوي، محللا المفارقات المتداخلة في تجربة حكم هذه الدويلة، مع السعي إلى تفكيك الواقع المجتمعي آنذاك، ومدى الانعكاس السلبي للتناحر الطائفي والصراع الديني والهيمنة السلطوية عليه.

وفي تعقيبه على هذا الانشغال بالتخيل التاريخي، قال جلاوجي "إننا أمة لم تكتب تاريخها فنيا، لذلك بتنا نحسّ بالغربة في التاريخ، رغم كوننا أمة مهووسة بالزمن الماضي، ولا تستحضر المستقبل إلا في اللحظات النهائية، أما الحاضر فهو موضوع مؤجل أبدا من اهتمامنا، ولا نتناولها كلحظة تأملية إلا بعد أن يصبح لها طعم الماضي، لنظل ندور في تلك الدوامة".

لذلك -يضيف جلاوجي- "ارتأيت أن أعيد الحياة لهذا التاريخ الذي جمّدته الكتب الرسمية من خلال استرجاع صداه المبعثر في الذاكرة الجمعية للأفراد والأمكنة، وكتابته فنيا بأسلوب ممتع، مضيفا إليه وقائع وشخوصا من صميم الخيال كي تصبح له نكهة العمل السردي التخييلي".

المصدر : الجزيرة