أمير تاج السر*

هناك سؤال يتم طرحه باستمرار لكل من كتب شيئا وقُيِّض له أن يصل بقليل من الصيت إلى الإعلام، حيث يُسأل مثل هذه الأسئلة: "بمن تأثرت في كتابتك؟"، أو "هل تأثرت بكاتب معين، وسلكت نهجه؟".

سؤال آخر غالبا ما يتبع السؤال الأول، وهو "ما هي العلاقة بين مهنتك وكتابتك؟"، وسؤال ثالث ربما يطرح وربما لا يطرح "ما هي الطقوس التي تمارسها أثناء الكتابة؟".

هذه الأسئلة التي ذكرتها تمثل دائما ثلث مكونات الحوارات التي تطرح على الأدباء، وتأتي معها أسئلة أخرى، ربما تكون جديدة، وربما تكون مكررة هي الأخرى مثل هذه، وحين يجيب الأديب، يفاجأ بأنه يكرر ردودا معينة متجذرة في ذهنه لسنوات طويلة، بلا أي إضافات جديدة، ذلك -ببساطة- أن الأسئلة هي نفسها، وبالتالي فالإجابات هي نفسها أيضا.

سيرد على سؤال التأثير إما بأنه لم يتأثر بأي كاتب على الإطلاق، وإنما ابتدأ يخط طريقه من نصوصه الأولى بعيدا عن أي تأثير، وما كتبه كله يخصه وحده، ولا فضل لأحد فيه، وإما يذكر كاتبا أو كتابا معينين بوصفهم أساتذة تعلم منهم في بداياته، وسار على نهجهم فترة، قبل أن تضح له معالم طريقه الخاص.

الكاتب أو المبدع يحاول أن يبعد عنه أية شبهة قد تضع صوته مع صوت كاتب آخر من جيل سبقه. سيفكر بربط مخل قد يحدث، وبالتالي يضيع مجهود سنوات قضاها ينحت ليخترع بصمة له

مبالغة
وبالنسبة لخط الطريق وعدم التأثر، فهذا أعتبره مبالغة طبعا، ومحاولة من الكاتب أو المبدع، أن يبعد عنه أي شبهة قد تضع صوته مع صوت كاتب آخر من جيل سبقه. سيفكر بربط مخل قد يحدث، وبالتالي، يضيع مجهود سنوات قضاها ينحت ليخترع بصمة له.

في الحقيقة في أي مجال فني لا يوجد عدم تأثر، وفي مجال الكتابة خاصة لا يوجد من يخرج إلى الساحة الأدبية لأول مرة، واقفا على قدمي كتابته فقط، من دون أن يتكئ على كتف كتابة معلم كبير، فكل الناس تتأثر في البدايات، والذين يستمرون بعد ذلك ويشيدون عمارات نهجهم، سيؤثرون في أجيال لاحقة.

وبالطبع لا يمكن أن نلوم المبدع إذا نفى شبهة التأثر، فهناك قراءات خاطئة، وقراءات ظالمة، وقراءات تسعى لمحو تاريخه بسرعة، في أي سانحة تجدها.

ما زلت أتذكر حين التقيت بالطيب صالح في بيتنا في مدينة بورتسودان أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وكنت قد عدت من مصر حاملا روايتي الأولى المسماة: كرمكول، على اسم قريتنا التي ولدنا فيها أنا والطيب، وأرخ لها الطيب بالطبع في كتاباته كلها، بينما لم أعش فيها فترة تكفي لكتابة شيء، غير تلك الرواية الأولى الصغيرة. في الحقيقة لم أعش فيها قط، وإنما هي زيارات خاطفة في فترة الصيف مع أهلي، هربا من حر مدينة بورتسودان.

الطيب
كان الطيب متكئا على وسادة في صالة البيت، وهو يقرأ كرمكول، وأنا جالس قبالته أحاول قراءة تعابير وجهه، وأنتظر حكما ما ربما يصدر في تلك اللحظة. قرأ النيل، والبيوت الطينية، والشخصيات القروية التي تجول داخل النص، كان يقرأ مندمجا، ويدخن السجائر بلا توقف، وبعد حوالي الساعتين رفع رأسه عن الكتاب، ليقول لي "جيد، لقد كتبت رواية جيدة، لكن فيها الكثير من عالمي. البيئة هي بيئتي نفسها، والشخصيات شبيهة بشخصيات عرس الزين".

المهنة تؤثر في الكتابة، وخاصة للذين يشغلون وظائف لها احتكاك مباشر بالناس، كالأطباء والمحامين والقضاة والممرضين وموظفي البنوك والضرائب وغيرهم

طبعا لم أحزن لذلك، نعم أنا كتبت نفس البيئة، وكتبت شخصيات تقترب من شخصياته، فقط صياغتي كانت تختلف، وهنا كان التأثر بالطيب، وكانت تلك الملاحظة المبكرة التي أبعدتني بعد ذلك عن بيئة شمال السودان، وحطت بي في بيئة شرق السودان الذي قضيت فيه كل طفولتي وشبابي المبكر، وعملت فيه أيضا، وأمكنني ذلك من كتابته بكل ما فيه من إشراقات ونزق وأساطير مستوحاة من أقاليمه البعيدة التي عملت فيها أيضا، ولعلي تأثرت بكتاب آخرين، خاصة كتاب أميركا اللاتينية، والكتاب الإسبان، وأقول صراحة بأنني تأثرت بالنفس الهادئ الرزين الراقي للراحل عبد الحكيم قاسم، وكنت أتمنى أن أصبح تلميذا له، لكنه رحل مبكرا.

تأثير المهنة
بالنسبة لتأثير المهنة في الكتابة، فهذا وارد أيضا، خاصة للذين يشغلون وظائف لها احتكاك مباشر بالناس، كالأطباء والمحامين والقضاة والممرضين وموظفي البنوك والضرائب، وغيرهم.

فالاحتكاك اليومي، يولد إيحاءات ما، والقصص توجد في كل المواقف، ضاحكة كانت أو باكية. وهناك -بخلاف الأطباء الذين يثيرون مثل هذه الأسئلة أكثر من غيرهم- قضاة كتبوا أفضل القصص عن محاكمهم، وما يحدث فيها، كتبوا عن الرأفة والقسوة، والظلم، والفساد، وهناك ضباط في الشرطة كتبوا يوميات شيقة عما يحدث في تلك الدهاليز الأمنية من شغف بالسلطة، واعتداءات، وأيضا عما صادفوه من مجرمين ولصوص ونساء سقطن في أخطاء شتى، وبالطبع لكل واحد حكاياته الخاصة.

الكاتب العربي -ولحسن الحظ- يحتاج بالقطع إلى مهنة ليعيش منها، وهي التي تزوده بالحكايات، بعكس الكاتب الغربي الذي لا يحتاج معيشيا إلى مهنة، ولا أدري من أين يمكنه أن يلم الحكايات

الكاتب العربي
وأنوه بأن الكاتب العربي -ولحسن الحظ- يحتاج بالقطع إلى مهنة ليعيش منها، وهي التي تزوده بالحكايات، بعكس الكاتب الغربي الذي لا يحتاج معيشيا إلى مهنة، ولا أدري من أين يمكنه أن يلم الحكايات.

طقوس الكتابة متعددة وتختلف من مبدع إلى آخر، ودائما ما تجدها -كما قلت- موصوفة داخل الحوارات التي تجرى مع الأدباء، وقد جمع الكاتب السعودي عبد الله الداود، في ثلاثة كتب أصدرها، طقوس معظم الروائيين في العالم، وكانت جهدا جيدا، وكتبا تجد فيها شيئا من المعرفة والإيحاء.

ستجد من يكتب بالليل، من يكتب بالنهار، من يكتب يوميا ومن يكتب في نهاية الأسبوع فقط، ويمكن العثور على كتاب يكتبون واقفين وآخرين يكتبون وهم متكئين على وسائدهم في غرف نومهم.

الأمر يختلف إذن من كاتب لآخر، تماما كما تختلف طرق القراءة من قارئ لآخر، وفي النهاية نحصل على إبداع يحمل المتعة والمعرفة، تم إنتاجه في مكان ما، ولا يهم كيف أنتج وما هي خاماته. لكن بعد انتشار الكومبيوتر، وانتشار استخدامه لدى المبدعين، أكيد اختفت بعض الطقوس القديمة، ولم يعد أحد يكتب راقدا أو واقفا أو ماشيا في الطرق العامة وسط الزحام.
_______________
* كاتب وروائي سوداني

المصدر : الجزيرة