علي سعد-بيروت

يمكن وصف 2014 بعام رحيل العمالقة بامتياز، فبعد وديع الصافي وجوزف حرب وأنسي الحاج وجورج جرداق وصباح، انضم سعيد عقل صاحب واحدة من أهم مدارس الشعر الحديث في العالم العربي، إلى القافلة مختتما أكثر من مائة سنة زاخرة بالعطاء.

ولأن الإنتاج الأدبي والشعري والفني لا يموت بوفاة صاحبه ولا بمرور الزمن، سيبقى عقل حيا بأكثر من 17 ديوانا شعريا وكتابا ومسرحية، وبقصائد خالدة غنتها فيروز بألحان محمد عبد الوهاب والأخوين الرحباني مثل "مر بي" و"زهرة المدائن" وأخرى تتغنى بالقدس ومكة المكرمة.

شاعر متجدد
الشاعر الصغير -كما يُلقب عقل نسبة إلى أنه كان شاعرا متجددا منذ طفولته- حُمل إلى مثواه الأخير على نعش مصنوع من صخر جبل لبنان ومن خشب الأرز ومحفور عليه كلمة لبنان، في إشارة إلى تعلقه بلبنان وبالحضارة الفينيقية.

وكان عقل اعتبر في مواقف سابقة أن لبنان فينيقي لا ينتمي إلى المحيط العربي، ودعا إلى التخلي عن اللغة العربية الفصحى واعتماد اللهجة العامية لغة قومية لبنانية.

نعش عقل صنع من صخر جبل لبنان وخشب الأرز وحفرت عليه كلمة لبنان (الجزيرة)

ووصفه البطريرك الماروني بشارة الراعي -الذي ترأس الصلاة عليه ظهر الثلاثاء في كاتدرائية مار جرجس وسط بيروت- بأنه عملاق الأدب والشعر، وشاعر لبنان الحلم والعنفوان والجمال، معتبرا أن غياب وجهه خسارة كبيرة، "لكن نتاجه العظيم، شعرا ونثرا وقصائد ومسرحيات، يبقيه حيا في العقول والضمائر والقلوب، جيلا بعد جيل".

وأضاف أن عقل كان مهندسا حقيقيا في سبك شعره ونثره بالشكلية والرمزية والإيحائية والإيقاعية. فبرع فيها كمهندس معماري ونحات ورسام، مزاوجا بين تأثيراته الفكرية والثقافية، اللبنانية والعربية والفرنسية والإنجليزية.

وتميز المأتم بحضور رسمي كبير على رأسه الرئيسان السابقان ميشال سليمان وأمين الجميل، إضافة إلى المرشح الرئاسي ميشال عون الذي كان عقل مقربا جدا منه.

كذلك كان الحضور الثقافي كبيرا بشعراء مثل طلال حيدر وهنري زغيب ورودي رحمة، وعبد الحليم كركلا، إضافة إلى الفنانة ماجدة الرومي التي غنت له قصيدتين، والملحن إلياس الرحباني الذي لحن إحدى قصائده.

وصية عقل
وقال الشاعر هنري زغيب للجزيرة نت إن لبنان لم يخسر مادام سعيد عقل موجودا بشعره ونثره ورسالته اللبنانية "ولكن يخسر إذا انطوت قصائده في الكتب وتوقفت عن الانتشار بين الناس في المدارس والدراسات الجامعية وعبر تلحين قصائده وإحياء مسرحياته" مشددا على ضرورة "استرجاع مؤلفاته وكتاباته دائما في حاضرنا".

مراسيم التشييع حضرها حشد كبير من السياسيين والفنانين (الجزيرة)

وأكد أن عقل كان "متقشفا في حياته اليومية غنيا في إرثه، وسيستمر بمقدار ما نحن سنحافظ عليه ليبقى موجودا خصوصا عند الجيل الجديد الذي لم يرافق حياته، واليوم عليه تمتين علاقته به عبر النص دراسة ونقدا وتحليلا" مشيرا إلى أن آخر وصايا عقل كانت "لا تخافوا على لبنان".

بدوره، اعتبر الشاعر حبيب يونس أن عقل "أعطى وعلينا أن نعمل بوصاياه لنجعل الغد أجمل" كما يقول بإحدى قصائده "أجمل ما في التاريخ هو غدا". وأضاف أنه "إذا طبقنا كتابين من كتبه "غد النخبة" و"الوثيقة التبادعية" نجمّل الإنسان في العالم ونجمّل الأوطان".

وقال للجزيرة نت، إن "الزمن لا يتوقف ولو رحل العمالقة، وكل جيل له لغته، وقد لا نأخذ كل نتاجهم ولكن يجب أن نأخذ جوهرهم ونكمل الطريق". 

مواقف مثيرة للجدل
ومع وفاة عقل، أعاد ناشطون إلى الواجهة مواقف له أثارت جدلاً واسعا على رأسها ترحيبه باجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ودعوته إياها إلى القضاء على الفلسطينيين.

لكن زغيب رأى أنه "ابتداء من هذا النهار علاقتنا مع سعيد عقل هي علاقتنا مع نصه، وكل ما عدا ذلك فهو فانٍ".

أما يونس، فسأل "هل نحاسب المتنبي وأبو نواس عن مواقفهم؟" مشددا على أن من يريد أن يحاسبه فيجب أن يكون أهلا للمحاسبة. وقال "وحده الله يحاسبه، والباقون لا يحق لهم التطاول على قامات مثل سعيد عقل".

المصدر : الجزيرة